الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

مناظرات فضائية عنيفة

المناظرات التلفزيونية العنيفة صارت وسطا صالحا وفرصة سانحة للاستثمار في الإعلان التجاري بسبب أن تلك المباريات الكلامية الإسقاطية تستقطب جمهورا عريضا.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/04/28، العدد: 9901، ص(18)]

توفر الأوضاع المتفجرة والمضطربة في العالم العربي فرصا شتى لتقديم الخصوم والأضداد الذين يمثل كل منهم رأيا وموقفا أو أيديولوجيا أو عقيدة سياسية أو موقفا سياسيا يعتقد أنه هو وحده الصواب وما دونه هو الباطل.

لا متسع في العالم العربي الغارق في الفوضى اليوم لأية مرونة في التعاطي مع الخصوم، وعندما تشاهد البرامج الحوارية وبرامج المناظرات فكأنك تشاهد فصلا آخر من فصول الصراع العنيف السائد ولكنه صراع بلا أسلحة لكن من الممكن وبسهولة أن يتطور إلى نوع من الاشتباك بالأيدي بل إن نائبا في أحد البرلمانات العربية ظهر في مناظرة تلفزيونية، لما حمي وطيس النقاش ولم يعد لقوس الصبر من منزع وأغلقت في وجهه أبواب الحجج العقلية والنقلية اضطر إلى إشهار مسدسه في وجه خصمه دون أن نعلم ما هي السياقات التي تعمل بموجبها تلك القناة في سماحها بدخول السلاح الناري إلى الاستديو في شكل غريب من أشكال الصراع العنيف الذي تطور من الألفاظ إلى استخدام العضلات وصولا إلى إشهار السلاح.

نحن في واقع الأمر غارقون في عنف لا متناه، عنف يمتد إلى اللاشعور واللاوعي، أناس ينقادون من حيث تدري أو لا يدرون إلى اللجوء إلى أقصر الطرق، الحجة الواهنة والجدل المتهالك والعقل المعطل فليحضر العنف اللفظي بديلا عن ذلك.

برامج المناظرات والبرامج الحوارية صار لها سوقها الرائج اليوم بفضل حالة الانقسام المجتمعي الحادة التي تسببت فيها الصراعات الطاحنة التي تعصف بالعديد من الدول العربية اليوم والتي انعكست على مزاج جمهور المشاهدين فصاروا مستقطبين سواء راغبين أو مرغمين، فلا خيار لهم سوى الأخذ بالأسباب والتسليم بالنتائج وكلها لا يصنعها المواطن الفرد بل تصنع وتطبخ سياسيا وإعلاميا ليكون هو طرفا في نهاياتها الأكثر عنفا.

ولعل سعي العديد من الفضائيات المملوكة لأفراد أو شركات إلى الربح الوفير أو في الأقل تغطية التكاليف ولغرض أن تستقطب الجمهور العريض، فإنها لا تستقطبه بالمسلسلات الدرامية والبرامج الرياضية فقط، تلك التي تنال حصة الأسد في المشاهدة بل تلجأ إلى ذلك النوع من البرامج الإشكالية، برامج المناظرات والحوارات العنيفة التي تتقاطع فيها الآراء والأفكار والأطروحات وتتحول إلى نوع من صراع الديكة فيما المشاهد الشغوف يراهن على هزيمة الخصم الذي يعارضه إيديولوجيا أو سياسيا أو حتى طائفيا ومذهبيا. ولعل هذه الأخيرة صار لها أيضا سوقها الرائج من خلال الإتيان بخصمين متنافرين من مذهبين إسلاميين متعارضين ليكفر أحدهما الآخر ويثبت أنه على ضلال.

المناظرات التلفزيونية العنيفة صارت أيضا وسطا صالحا وفرصة سانحة للاستثمار في الإعلان التجاري بسبب أن تلك المباريات الكلامية الإسقاطية تستقطب جمهورا عريضا وتخلف وراءها تعليقات مسهبة في اليوم التالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال الصحافة المقروءة والمسموعة أو حتى من خلال البرامج التلفزيونية التي تنبري للتعليق على تلك المناظرات الشرسة.

وبعد هذا يبدو أن هذا الضرب الغرائبي من البرامج صار له طواقمه ومعدوه ومخرجوه ومنتجوه فضلا عن جمهوره الواسع وبذلك صرنا إزاء نمط تلفزيوني فضائي عربي فريد يكمل مشاهد الصراعات العربية–العربية، ويكمل حالة العنف والفوضى العارمة التي تضرب العالم العربي اليوم.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر