الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

حملة نحن أيضا بشر

المعالجات الجذرية لا تتعلق بضرب مافيات الهجرة على السواحل الليبية، إنما في تدخل دولي حقيقي لإعادة الاستقرار إلى مناطق النزاعات المسلحة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/04/29، العدد: 9902، ص(8)]

لا أدري حقا، كيف سيبدو المشهد إذا فتحت أوروبا وأميركا أبوابهما دون قيود أو شروط لكل الراغبين في الهجرة إليهما، ودعتا إلى استقبالهم وتوفير وسائل النقل المتعددة لاستيعاب أعدادهم.

لكن ما أدريه، أن أعدادا من رؤساء الدول وزعمائها في آسيا وأفريقيا بالتحديد، لن يجدوا بعد أيام من يتحكمون فيهم، وربما لن يعثروا على من يصفق لهم، أو يركض خلف مواكب سياراتهم، وعندها لن تعود هناك حاجة إلى هواجس الحمايات ومخاوف الأمن.

الأهم إطلاق سراح الشعوب من سجون الفقر والجوع والأمراض المتوطنة والمستوطنة بالبعوض والسياسة.

الحكام، بعضهم يستخدم سوط السلطة بديلا لسوط الأفكار التي تلسع ظهر الخيل، لتمضي عربة الحياة في طرقات تبدو، أحيانا وعرة، لكنها في كل الأحوال تترك أثرا لدروب جديدة، ستتحول في ما بعد إلى طرق معبدة توصل إلى أماكن آمنة ومستقرة تحفل بالتنوع والنشاط.

انتكاسة كبرى في تصميم سياسات الدول غير المستقرة، يرافقها تصميم آخر في الإدارة الدولية للملفات الساخنة المتعلقة بجشع الشركات والسباقات المحمومة في البورصات العالمية، وزيادة صارخة في الفوارق بين دول ما يعرف بالشمال والجنوب.

الشعوب تهرب من أوطانها، في قوارب متهالكة عبر البحر الأبيض المتوسط، أكثر من 1400 مهاجر من دول أفريقيا، بينهم من مصر والجزائر، وأيضا من سوريا طبعا، لقوا مصرعهم غرقا، ولم تنفع عمليات الإنقاذ المتواضعة في إغاثتهم أو مساعدتهم على النجاة.

ليبيا أصبحت، بسبب الفوضى وغياب الأمن وبفضل تدخل حلف الناتو، دولة صراعات مسلحة، يجد فيها المهاجرون عتبة لمجازفة الخلاص والوصول إلى شواطئ أوروبا، على الرغم من علمهم المسبق بهشاشة القوارب التي تقلهم مضافا إليها تكديسهم ومعاملتهم كالرقيق، ودون الالتفات إلى اشتراطات الأمان والتحمل والوزن، ومقابل كل ما يحملون من أموال.

السماسرة المتعهدون من مافيات تجار الموت، يهيئون لهم قوارب رخيصة دون شروط السلامة مع معرفة بعدم مقاومة القوارب الناقلة لأمواج البحر والرياح.

مجازفة ومخاطر جمة تعرض لها المهاجرون من دول الأزمات والحروب الأهلية، وما يتبعها من تدمير وإلحاق الأذى بالأحياء السكنية والبنى التحتية، وفي الذاكرة، الموت الجماعي للمهاجرين العراقيين في زمن الحصار عن طريق إندونيسيا باتجاه أستراليا، وكيفية التحايل عليهم، ثم إجبارهم على ترك القارب في عرض البحر تحت تهديد السلاح، ولا أستعرض المشاهد الدامية التي تناقلتها وكالات الأنباء آنذاك.

ومن يتتبع مصير الهاربين المتنقلين في جبال تركيا أو مناطق التسلل إلى اليونان، يقتـرب من حجم أعـداد الضحـايا من العراقيين والسوريين والأفارقة الذين حاصرتهم الثلوج أو ظروف الطبيعة أو الحيوانات المفترسة أو مقايضات المهربين وأساليبهم الرخيصة في جني الأموال من الأفراد أو العوائل التي تسعى لتجاوز الحدود بالطرق غير الشرعية.

هروب جماعي داخل الوطن وخارجه للحفاظ على الحياة أو التضحية بها، مقابل حلم الخلاص من الخوف وترقب الموت.

أصدقاء من سوريا يتصلون بي من مخيمات اللجوء في إقليم كردستان، وهي مخيمات أفضل من مأساة خيام النازحين العراقيين من مدن الصراع والعمليات العسكرية، يتحدثون عن وقائع المهانة الإنسانية وذل العيش في معسكرات “دوميز” على الرغم من المساعدات المحلية والدولية، ولمن يعرف معنى كلمة “ميز” باللغة الكردية، فإن الإشارة تغني عن الوصف.

الاتحاد الأوروبي وبدلا من أن يتخذ مواقف تعيد الثقة في المجتمع الدولي، بادر إلى مجموعة إجراءات غير إنسانية، مفادها أن التضحية بآلاف المهاجرين سيكون رادعا واقعيا لعدم هجرة الآخرين، والحقيقة العارية أن تدفق الهاربين من بلدانهم يتفاقم، والإصرار على الوصول إلى شواطئ الجنة الأرضية صار هاجسا دونه الموت.

الموقف البريطاني يؤكد ارتفاع كلفة عمليات الإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط، وذلك، لا يتناسب مع موازنة الاتحاد الأوروبي المتدنية، بما يفتح الباب لأسئلة تتعلق بمصير العالقين على الشواطئ الليبية أو في أماكن أخرى، أو الذين يتقاذفهم البحر إلى الشواطئ.

الإحصائيات في تصاعد مرعب لمستويات الضحايا مؤخرا، بعد ما جرى على طاولة الاتحاد الأوروبي من تخفيض لكُلَف برنامج الإنقاذ الإيطالي.

المعالجات الجذرية لا تتعلق بضرب مافيات الهجرة على السواحل الليبية، إنما في تدخل دولي حقيقي لإعادة الاستقرار إلى مناطق النزاعات المسلحة في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من دول أفريقيا.

المقايضات بين حاكم مطلق وبين شعب، بين مخططات ومشاريع دولية وطموحات سياسية وبين شعوب، العالم يموج بالرمال المتحركة والأمواج المتلاطمة والعواصف الثلجية والأفكار المتطرفة والعصابات المسلحة والغايات الأيديولوجية الخرفة، وانزلاق مهين في فوارق التعامل بين البشر، حتى طفت على السطح عبارة مؤلمة تلخص إحساس الذين فقدوا بيوتهم واستقرارهم ومدنهم وأعمالهم، وأيضا وطنهم ومعه كرامتهم وكبريائهم، “نحن أيضا بشر”.

إنه شعار ورسالة لإيقاف الحروب ومهازل حاكم مطلق البشاعة وعصابات فساد ومختطِفين وقتلة من كل صنف، جميعهم مدعومون من مصالح ومخططات طاولات في السياسة الدولية تُصَمِمُ من منظورها العلوي برامج لا تهتم بتفاصيل الحياة الإنسانية، بل تعتمد أسلوب الخطط العسكرية التي تهتم بأهدافها، دون أن تلتفت إلى الضحايا حتى من الجنود.

على العالم أن يتحمل مسؤولياته في إنقاذ المهاجرين، وأن يجسر الفجوة الإنسانية في فوارق العيش، وأن يوقف الانهيار الحاصل في القيم العليا الضامنة للحياة البشرية، وإلا فإن دولا عديدة ستشهد رحلة شعوبها القسرية، إما إلى الموت، أو إلى إنسانيتها.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر