السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

السبت 16 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10844

برمجة الأطفال حسب الطلب

التربية السليمة تفرض التعامل مع الطفل ككائن وجداني وليس حاسوبا أو ربوتا نشحنه بالمعلومات وننتظر أن يستجيب لما نريد منه.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/05/01، العدد: 9904، ص(21)]

تربية الأطفال ليست بالمسألة الهينة على الإطلاق، جميعنا يعرف ذلك سواء من تجربة شخصية، أو لأنه سمع ذلك من المحيطين به، ولكن رغم المشقة التي يواجهها الآباء في تنشئة أبنائهم على أحسن وجه، فالمجتمعات لا تخلو من المجرمين والإرهابيين وقطاع الطرق والانتهازيين والمنافقين والكذابين، وغير ذلك من أصحاب السلوك المنبوذ والمرفوض اجتماعيا.

إن السلوك الانحرافي لبعض الأشخاص ليس بالأساس ناتجا عن تقصير من آبائهم في تربيتهم، وإنما راجع إلى طرق التنشئة الخاطئة التي تتعدد فيها الوسائط وأهمها الأسرة. واليوم يحاط الآباء بكم هائل من المراجع الورقية والإلكترونية التي أقصت غرائزهم الفطرية في التعامل مع أبنائهم، وفتحت أمامهم أبواب النصائح التربوية على مصراعيها، ومنحتهم الحرية في اقتناء ما يروق لهم من معلومات وتطبيقها على أبنائهم.

لقد بات الحال أشبه بمصنع لبرمجة الأطفال، ويكاد يذكرنا المشهد بما يجري داخل مركز الأبحاث الخاص بالروبوتات بجامعة بيليفيلد الألمانية، الذي يعمل على تطوير تقنيات جديدة تمكن الروبوت من إدراك وفهم الأشياء التي تطلب منه، ولكن الأمر هنا مختلف ولا يتعلق بربوت، بل بفلذات أكبادكم.

في الحقيقة ليس كل ما لقنتموه لأطفالكم من عادات وقيم، سيثمر نتائج ترضي آمالكم التي علقتموها عليهم منذ نعومة أظفارهم، فأطفالكم الذين حرصتم على تربيتهم وفق التعاليم النظرية لبعض المراجع التوجيهية، اعتقادا منكم أنكم ستضمنون أطفالا أذكياء وأصحاء، لن يكونوا وفق مطلبكم، لأن التربية السليمة تفرض التعامل مع الطفل ككائن وجداني وليس حاسوبا أو ربوتا نشحنه بالمعلومات وننتظر أن يستجيب لما نريد منه.

للأسف أغلب الآباء في عصرنا الراهن أصبحوا يعتمدون بشكل يكاد يكون كليا على المراجع التربوية المتوفرة بطفرة نوعية، تماما كتعاملهم مع كتيبات إرشادات البائع التي تزودهم بالمعلومات حول كيفية تركيب بعض المقتنيات.

هل أصبح الآباء عاجزين عن تنشئة أطفالهم انطلاقا من تجاربهم الشخصية وغرائزهم الفطرية؟ لماذا كل هذا القلق والتوتر؟ إلى درجة تجعلهم يطبقون عليهم كل معلومة يتلقونها من مصادر لا يعرفون صحتها من خطئها.

هل عفا الزمن عن خبرات الأمهات في تنشئة الصغار، فباتت أغلبهن تلهث وراء المنتديات الإلكترونية والمواقع الاجتماعية بحثا عن النصائح التي في أغلبها تضر ولا تنفع الطفل.

هناك الكثير من الآباء يشعرون بالقلق تجاه تربية أبنائهم عوض أن يستمتعوا بها، على الرغم من عدم وجود أي داع يجعلهم يصابون بهوس الحرص المبالغ فيه، وكان الأجدر بهم ليكونوا آباء صالحين أن يتخلصوا من خوفهم الذي لا مبرر له.

نتفهم شعورهم فهم يريدون أن يقدموا لأبنائهم كل ما هو أفضل، لكن ليس إلى درجة أن ينتهي بهم الحال إلى تجميع مئات أو الآلاف من النصائح التربوية، وكلها تدعوهم إلى تربية أبنائهم بطريقة معينة وإلا لن يكونوا أسوياء وناجحين في حياهم.

إن التربية الحديثة أصبحت محاطة بكم هائل من الإحساس بالذنب والقلق، وكل هذا لا دوافع حقيقية له، بل غذته قوى خفية لعبت على مشاعر وأعصاب هؤلاء الآباء من أجل إقناعهم بشراء منتوجاتها حرصا على ضمان سلامة أطفالهم.

والخوف الكبير من وجهة النظر التجارية يجعل الآباء يشترون المزيد من الأغراض التي تم الترويج لها في النصائح التربوية غير المدفوعة الأجر.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر