الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

حق العيش

بين ثقافة 'حق العيش' والزوار العابرين على مخيمات الغجر والذيل وصاحبه، لم نعرف من الذي كان يهزّ الآخر بالضبط من ذاك الذي يتحكم بالرأي العام ومفاهيم الإنسان وأحلامه.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/05/01، العدد: 9904، ص(24)]

هذا العنوان، ليس سياسياً، كما تعتقد، ولا علاقة له بالربيع العربي وهتافات الشباب في الشوارع والميادين، ولا دخل له بالعيش والحرية والكرامة الاجتماعية، ولكن حتى يمكن شرحه لابد من العودة سنوات إلى الوراء، إلى زمن انتشرت فيه قوافل الغجر بين المدن والبوادي، حين كان القادمون من المجهول بأسنانهم الذهب الفالصو، وملابسهم المرقعة، يبنون لأنفسهم بيوتاً مؤقتة من الشعر وقطع القماش والصفيح والكرتون، تتناثر على طرق السفر، حيث كان يمكن لركاب السيارات العابرة أن يسمعوا أصوات موسيقاهم ويرون في الأفق نيرانهم متّقدةً مؤذنة باستقبال الزائرين.

وذات يوم زرع جارٌ لنا بطيخاً أميركياً أحمر في أرضه الواسعة في الجزيرة السورية، فطرح التراب مئات الرؤوس الخضراء، وحمّل الفلاحون الفقراء البطيخ الكبير المخطط بالأبيض في الشاحنات، واستأمنوا واحداً منهم ليذهب به إلى حلب، ليبيع حمولاتها هناك ويأتيهم بالأموال، ولكنه اختفى شهراً كاملاً، عاد بعده، خالي الوفاض والجيوب، أشعث الرأس مصفرّ الوجه، وحين سألوه “أين كنت؟” قال “سأقول لكم الصدق، والله مررتُ على ‘الحاجّيّات’ لكي أتونّس، و..” ولم يكمل حديثه، وكانوا يطلقون تلك الكلمة على الغجريات، ففهم الفلاحون أن الفتى كانت تأخذه الحميّة ويوزّع أموال البطيخ كلما رفعت إحدى الغجريات صوتها بالهتاف الشهير “حقَّ العيش”، حتى فني الموسم عن بكرة أبيه.

وحق العيش هذا، مطلب بسيط للغجريات، ثمناً لغنائهن ورقصهن، القصد منه “أعطونا ثمن رغيف الخبز فقط”، وهكذا كان بعض الناس يقضي أوقاته، يدفع “حق العيش” هنا أو هناك، لكن عبارة فلسفية أخرى ظهرت في مكان آخر، بعد ذلك بزمن تقول “لماذا يهزّ الكلب ُ ذيلَه؟ لأن الكلب أذكى من ذيله. ولو كان الذيل أذكى من الكلب، لكان الذيلُ قد هزّ الكلبَ” وهو سؤال يبحث عن منطق، طرحه فيلم “واغ ذا دوغ” لداستن هوفمن وروبيرت دونيرو، تناول حرباً تلفزيونية أميركية، بعد أن فبركت السي آي إيه تهديدات إرهابية البانية، بهدف تخليص الرئيس الأميركي من فضيحة “تحرّش”، لينتهي الفيلم إلى أن الناس يقودهم الإيهام، أما الواقع فقد بشّر محللو العصر "ما بعد الحديث" بأن إنسانه في الزمن القادم، سيكون “غجريّ المستقبل”، وأنه لن يكون مضطراً إلى الاستقرار الذي احتاجه البشر دوماً، ولن يكون بحاجة بالتالي إلى وطن أو بلاد، فبالتدوير المستمر لرأس المال، ستكون لديه الفرصة لتجديد مسكنه وتجارته ومدرسته، وبالتالي لا ضرورة للملكية، فالاستئجار كفيل بتحقيق الأغراض الأساسية من كل الأشياء، وبوضعه ما بحوزته من أموال في البنوك على شكل أرصدة وأسهم، لن يعود ملزماً بحمل الأرواق النقدية بعد، فبطاقته الذكية تكفيه العناء.

وبين ثقافة “حق العيش” والزوار العابرين على مخيمات الغجر والذيل وصاحبه، لم نعرف من الذي كان يهزّ الآخر بالضبط، ومن ذاك الذي يتحكم بالرأي العام ومفاهيم الإنسان وأحلامه، ولا شكّ أن الأكثر ذكاء هو من يدير اللعبة، فالعالم تصنعه العزيمة وحدها، لا السذاجة والكيف ونسائم الصيف.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر