الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

لا تجعلوا من الشورابي والقطاري قضية 'موسى الصدر'

لن نقبل من الحكومة التونسية، تلعثما أو تأتأة في ملفّ الزميلين، تعمل على تعميم مفهوم التغييب وتستنتج التجربة اللبنانية في قضية 'موسى الصدر'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/05/02، العدد: 9905، ص(8)]

اليوم، ومع انتشار "نبأ" استشهاد الزميلين سفيان الشورابي ونذير القطاري في مدينة درنة الليبية على يد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، تنتصب مجموعة من الالتزامات والاستحقاقات، وتطرح العديد من الاستفسارات حيال قضية تتشابك فيها الزوايا الإنسانية مع الدبلوماسية مع العسكرية مع الإعلامية.

ذلك أنّ القضية لـم تثبت فقط أنّ الزميلين، سواء كانا فقيدين أم شهيدين، ذهبا ضحيّة الدولة الغائبة في ليبيا وغياب الدولة في تونس، وإنّما أيضا أنّ الدولة التونسية عاجزة عن تأمين الحدّ الأدنى من المعلومات حيال مواطنيها في دولة جارة لها جغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، وهي أعجز عن ضمان أمن جالية تونسية خارج الوطن.

بين حكومة الانتقال الديمقراطي وحكومة التحالف الرباعي بقيت الدولة التونسية بمؤسساتها وشبكة علاقتها الواسعة في القطر الليبي الشقيق، تتحرّك في مربّع “النفي” دون تأكيد لمعلومة أخرى، وتسعى بكافة السبل إلى دحض الأنباء الواردة من الشرق الليبي المشتعل باستشهاد الزميلين، لا من أجل تسلية العائلة الصغرى والكبرى للزميلين، وإنّما من أجل التفصي من المسؤولية الأخلاقية والدبلوماسية والسياسية التي تتحملها مؤسسة تنفيذية روّجت لأنباء أقرب ما يكون إلى الإشاعة، وعملت على دحض معطيات أقرب ما يكون إلى الحقيقة.

لابد على كافة المتحذلقين تحت عنوان المختصين في الشأن الليبي أو الخبراء في المجموعات الإرهابية، مع احترامنا وتقديرنا للقلة القليلة التي تستحق هذه الصفة، وعلى كافة المسؤولين والدبلوماسيين وممثلي المجتمع المدني الذين أكدوا وجود معطيات موثوقة في صحتها تشير إلى بقاء الزميلين على قيد الحياة، إما أن يقدموا للرأي العام الحقائق والمعطيات التي على أساسها صرحوا بوجود الزميلين أحياء في درنة، وإما أن يقدموا اعتذارات صريحة وواضحة للرأي العام المحلي عامة ولعائلات الشورابي والقطاري خاصة، عن التساهل في ترويج معطيات دون أساس مادي يثبت صحتها ويدعم حقيقتها.

على مدى أكثر من أربعة أشهر دخلت تونس في استنساخ مرير وسمج لقضية غياب موسى الصدر في ليبيا إبان عهد معمر القذافي، وعوضا أن تنخرط الحكومة الوليدة في منظومة كاملة من التحرك الفعلي على الساحة الليبية والزجّ بمفاعيل الضغط السياسي والدبلوماسي على الفاعلين السياسيين في ليبيا، قصد الوصول إلى المعلومة الحقيقة والدقيقة بقيت “خلايا الأزمة” تراوح مكانها بين النفي دون تأكيد، والتأكيد دون إثبات.

واستطابت الحكومة الوليدة معجمية “الغياب” و”الاختطاف”، كما سبقتها حكومات لبنان، عند التطرق إلى ملف “الشورابي والقطاري”، مسجلة بذلك “حضورا بالغياب” في استحقاق دبلوماسي واعتباري وسيادي تونسي كان بالإمكان أن يحبّر في سجالات التاريخ أنّ “تونس لا تنسى أسراها ولا تتناسى أبناءها”، ولكن لا يزال الآلاف من التونسيين يموتون غدرا ويقتلون غيلة في سوريا والعراق، ولا يزال الآلاف من التونسيين الآخرين يسقطون لقمة سائغة لحيتان البحر الأبيض المتوسط دون تحرّك من الحكومة العتيدة.

من واجب الحكومة التونسية اليوم، أن تفرض على الحكومة الشرعية في ليبيا، التي روجت للخبر، أن تستنطق السجناء الذين اعترفوا باغتيال الشورابي والقطاري في تونس بالذات، وأن يحاكموا أمام أنظار القضاء التونسي، لا من باب التشفي والانتقام ولكن من بوابة “إحقاق العدل”، فدماء التونسيين ليست أقل من دماء الأميركيين، والقضاء التونسي ليس أقل من القضاء الأميركي وأبو أنس الليبي ليس أقل إرهابا ولا أقلّ تكفيرا من المجرمين الذين اغتالوا، إن صحت اعترافاتهم، صوت الحقيقة.

لن نقبل من الحكومة التونسية، تلعثما أو تأتأة في ملفّ الزميلين، تعمل على تعميم مفهوم التغييب وتستنتج التجربة اللبنانية في قضية “موسى الصدر”، وقد تكون هذه هي الفرصة الأخيرة لرئيس الحكومة الحبيب الصيد كي يتجاوز مرحلة البرود والجمود، ويكون “أسدا” بحقّ.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر