السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

التقسيم والمحطة الأخيرة قبل الجحيم

العراقيون عليهم الآن أن يؤدوا كفارة الماضي، وأن يعترفوا بأنهم كانوا على مدى سنوات بأفعالهم وصراخهم وموتهم المتبادل تحت كل الذرائع، يكتبون مشروع تقسيم بلادهم.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/05/02، العدد: 9905، ص(9)]

يحفظ أهل العراق أسماء الذين استقدموا المحتل عن ظهر قلب، وكانوا أدواته وأزلامه، هم يفخرون في العلن بقربهم من” السي أي أي” ويعتزون بمجالستهم جورج بوش الابن والاستماع إليه، وحفظهم عن ظهر قلب أيضا كل كلمة وهمسة من سيد البيت الأبيض.

على مرمى خبر، عن مشروع أميركي من الكونغرس بتسليح طرفين من معادلة تقسيم العراق، خارج سلطة الحكومة المركزية، بعد مجموعة توصيات وتعهدات ثقة، تستمر لمدة ثلاثة أشهر، وفي حالة عدم القناعة بنيات المركز يتم التعامل مع الطرفين كدولتين.

ما أدهشني فورة الحرص على وحدة العراق من الساسة والبرلمانيين والشخصيات النافذة في مشروع الاحتلال، المتتبع لمجريات ما بعد كارثة الاجتياح الأميركي، يكتشف مستوى الانقسام الحاصل في بنية النظام السياسي، والمبالغة في إعلاء الانتماء المذهبي والطائفي في الممارسات والسلوك وإشاعة الطقوس، ومحاولة جر البلاد إلى الفتن، والانحياز إلى الباطنية في التعامل، وإطلاق الميليشيات المسلحة، وخلق الأجواء المناسبة لردات الفعل، والتصفيات الجسدية التي طالت الآلاف، وتمت عن سبق إصرار وترصد.

وتركت الأجهزة الأمنية على غارب حبلها، ومنها من تعاطى دون مهنية خارج أي تكييف قانوني في المداهمات والاعتقالات والتصفيات والتعذيب والتحقيق، والتصريحات المتناثرة والمسجلة على الفضائيات الموجهة، التي تدور فيها الأحاديث على طريقة “الكلام بيننا” وخاصة بعد كتابة الدستور ومسرحية التصويت عليه، وما تلاها من نزوع دموي ورفع لافتات للفتنة في الشوارع العامة لدفع الواقع العراقي إلى تجاوز حالة رفض التقسيم نفسيا، بعد توفير كل مواصفات الحرب الأهلية، وسنوات القتل على الهوية، والجهر في التجمعات الدينية بضرورة الإسراع في إنشاء الأقاليم، وكما معلوم فإن الدعوة تلك في بلد مثل العراق ترتبط مع حتمية التوجهات بالاستقطاب الطائفي.

البرلمان لم يكن بحال أفضل من الأحزاب التي يتكون منها، بل كان النواب المثل الصارخ لاستحالة التعايش وسحبوا الشارع إلى منزلقات ساهمت في مقتل آلاف العراقيين تحت مسمع ومرأى الدولة والحكومة.

سنوات والعراق يزج في يومياته بمستنقع التفرقة والانقسام والثأر والانتقام والتشفي وتبادل الأقنعة وحماقات تصرفات المافيات، وإشاعة الفوضى وزعزعة الأمن ومعالجة الأمور بسطحية، والهروب إلى الحاشية والشعب تتناهبه مجريات الجرائم والإيغال في التطرف كوسيلة لحماية مكونها القومي الديني أو المذهبي أو الإثني، كل ذلك مع الافتتان بتهميش وإقصاء الآخر، وتلقينه درسا بقوة الاستحواذ على السلطة وتشريع القوانين المسيئة لمستقبل الوئام المجتمعي، وتعزيز مفاهيم العقاب الجماعي في قطع الأعناق وأيضا الأرزاق إذا تجاوزنا العقوبات السياسية، وهي ترف مقابل عذابات التهجير وضياع العيش الكريم الآمن داخل الوطن.

ردة الفعل تجاه تباشير مشروع التقسيم المقترح من الكونغرس الأميركي، يفترض أن تكون صيحة لكافة القوى السياسية ولكل الفاعلين على الساحة العراقية، رغم كل إخفاقاتهم في إدارة البلاد أو مساهمتهم في صناعة وتعميق أسباب الانقسام. اليوم الجميع في مواجهة أنفسهم في مفصل تاريخي، يحتاجون فيه وقفة شجاعة تتسق مع شرفهم الوطني والإنساني، الذي يتسامى على نوازع الانقسامات التي تتصاغر أمام عمق الانتماء لحضارة وادي الرافدين.

العراقيون عليهم الآن أن يؤدوا كفارة الماضي، وأن يعترفوا بأنهم كانوا على مدى سنوات بأفعالهم وموتهم المتبادل تحت كل الذرائع، يكتبون مشروع تقسيم بلادهم.

هذه المرة، لا أسخر ولو بكلمة من الذين كانوا دمى بيد المحتل أو أدلاءه لاحتلال بلادنا، واليوم يطالبون برد الاعتبار إلى سيادة العراق واستقلال قراره، لكن عليهم أن يعيدوا تطهير أنفسهم ويعلنوا براءتهم من العمالة للأجنبي، وأن يعترفوا بشرف المواطنة وحق كل العراقيين في العيش الكريم الذي يحفظ حياتهم وكرامتهم وكبريائهم الإنساني، وفق ما تتبناه لائحة حقوق الإنسان العالمية.

هل سنقول شكرا للكونغرس الأميركي لمشروعه، واحتمالية أن يوحدنا وينبهنا لمخاطر التقسيم وكوارث قرن قادم من الشر؟ أم لأن المشاريع السارية المفعول في العراق ومصادر تمويلها وإذكاء لهيبها ستظل عابرة لما يجمع الناس على اختلافهم، ولو في العلن على رفض التقسيم، خاصة في الإعلام والواجهات الحزبية والثقافية والمجتمعية.

لكن كيف نقنع من يعيش في الخيام والذل، وفَقَدَ أحبته وكرامته، ولاقى كل صنوف القهر والهوان، من يقنعه بالوطن الواحد الموحد والمصير المشترك؟ نأمل أن يتعظ الجميع وأن “يغيروا ما بأنفسهم”.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر