الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

مستقبل سلطة العبادي

ما يعيق تحقيق الانفراج السياسي بروز قوة الميليشيات التي تقود الحشد الشعبي، واحتمالات فرض نفسها على قيادة العملية السياسية في بغداد.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/05/04، العدد: 9907، ص(8)]

لم تؤد الضجة التي صاحبت عملية إزاحة نوري المالكي عن الحكم في أغسطس 2014 إلى تغييرات سياسية مثلما كان متوقعا لأسباب تتعلق بالضغوطات الحزبية والشيعية التي تضع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على حافات الهاوية، لأن عليه جملة التزامات سياسية تجاه العرب السنة تم توثيقها برعاية الأميركان حتى لو تخلى التحالف الشيعي عنها، وهو لا يستطيع ذلك إن أراد الاستمرار بالحكم.

التحالف الشيعي وافق على إزاحة المالكي لانفراده بالسلطة وخروجه عن “بيت الطاعة “ولهذا وجدت الضوابط والأحكام طريقها إلى مكتب العبادي قبل تبوئه مركزه الجديد، وأهمها عدم خروجه على ما رسم له من سياسات خصوصاً تجاه العرب السنة، لكن التزاماته الأهم هي مع الأميركان الذين أنتجوا طبخة الحكومة مع البريطانيين وبرضى إيراني.

والجميع يتذكرون أن منافسي العبادي من (القوى الشيعية) لم يستسلموا بسهولة لعملية اختياره، مع إنه اجتاز بنجاح شروط المعادلة الحزبية والشيعية التي كانت المفتاح السحري لتنحية المالكي، الذي تبوأ منصب نائب رئيس الجمهورية، وظلت مفاتيح سياسية كثيرة بيده خصوصا بين الأوساط السياسية للحشد الشعبي، منتظرا فرصة الوثوب على السلطة وخطفها من العبادي، ولهذا استخدم سياسة التسقيط وإحصاء الأخطاء وتضخيمها.

وبدلا من أن تكون الحرب ضد داعش مناسبة لنسيان مشروع العودة المالكية للحكم، تضخمت تلك الحملة، ووجدت لها مناصرين حتى داخل بعض أوساط السنة الذين والوه خلال حملته الانتخابية. إلى جانب ضعف حماسة بعض رموز القيادات الشيعية للعبادي التي حاولت كسب رئاسة الحكم لكنها فشلت. الفرصة الذهبية للعبادي أنه حصل على تأييد دولي كبير تقوده الولايات المتحدة ودعم عربي من دول كانت حكومة المالكي تناصبها العداء. ولكن كل ذلك التأييد لا يقدم للعبادي مجانا. فالأميركان أوضحوا شروطهم، وهي إعادة الاعتبار السياسي والإنساني للعرب السنة بحزمة إجراءات موثقة ومبرمجة ضمن “الاتفاق الوطني” الذي وقع عليه قبيل تسلمه رئاسة الحكومة.

ولكن رغم مرور عشرة أشهر لم يحصل شيء، تحت تبريرات محاربة داعش مع أن هناك قناعة مطلقة بأن الحل السياسي الشامل المتعلق بالعرب السنة هو السلاح الكبير في طرد داعش من العراق.

في وقت ازدادت قائمة الكوارث ضد أبنائهم خلال المعارك ضد تنظيم داعش الإرهابي في مناطق ديالى وصلاح الدين والأنبار وفي منع عودة النازحين وحرق الكثير من منازلهم في جلولاء والمقدادية وتكريت، وحملات القتل الميدانية وقسم منها حصل لنازحي الأنبار في بغداد، والخوف من عمليات تغيير ديموغرافي ممنهجة، ومنع تسليح العشائر العربية السنية، وكارثة النازحين لمليوني ونصف مواطن من ذات الطائفة.

الأخطر من ذلك أن ما يعيق تحقيق الانفراج السياسي بروز قوة الميليشيات التي تقود الحشد الشعبي الشيعي، واحتمالات فرض نفسها على قيادة العملية السياسية في بغداد تحت شعار “استحقاقات الدم تفرض التغيير في بنية القيادة السياسية للبلاد”، وهو مشروع تقول الكثير من التقارير والأخبار المسربة بأن المالكي له يد في فعالياته من خلف الستار بهدف إزاحة العبادي قبل إكماله سنته الأولى في الحكم، وهناك حملة إعلامية منظمة لقيادات من دولة القانون تشير صراحة إلى أن “العبادي غير قادر على إدارة المعركة الحالية السياسية والعسكرية”، وهذه المخاوف عبّر عنها العبادي، صراحة، بعد عودته من واشنطن في جلسة مجلس النواب يوم 29 أبريل الماضي بما مفاده “أن هناك جهات من داخل القوى الشيعية تسعى إلى إسقاط الحكومة”، ويقال إنه واجه انتقادات شديدة هناك، مما شجع أعضاء الكونغرس على تبني قرار يوصي بتقديم نسبة 60 بالمئة من الدعم المالي الأميركي إلى كل من السنة والأكراد مباشرة في اعتراض حاد على هيمنة الميليشيات الشيعية على القرار العسكري والسياسي في الحرب ضد داعش.

وفسرت الأوساط الشيعية قرار الكونغرس بأنه دعوة لتقسيم العراق وأدانته مرجعية السيستاني، وعاود مقتدى الصدر التلويح بتنشيط “جيش المهدي” عسكريا لتهديد المصالح الأميركية في العراق، مع أن جميع ردود الفعل تلك تبقى للاستهلاك المحلي ولا تؤثر على القرار الأميركي.

العرب السنة لا يلامون حينما يلتجئون إلى الأميركان أصحاب القرار بالشأن العراقي، ولم يلتجئوا لحد الآن إلى العرب المتهمين بالعمالة لهم. فهم بين مطرقة “داعش” وسندان “الحشد الشعبي”. المشكلة لدى العرب السنة أن واجهاتهم السياسية تتنازعها انقسامات المصالح، فتلك الواجهات والرموز لم تعد تمثل الجمهور المشرد والممنوع حتى من دخول عاصمته.

إضافة إلى ما يلاحظ من انقسامات بين بعض القيادات العشائرية الأنبارية في الولاءات، بعضها ذهب إلى طهران، والبعض الآخر إلى واشنطن. ودائما ما تكون بعض تلك الوجوه العشائرية عرضة للابتزاز المالي والوجاهي، والتاريخ العراقي المعاصر حافل بالأمثلة.

إن الظرف السياسي والأمني في بغداد حاليا غاية في السوء والتردي. وهناك خوف من استعجال القيادات الميليشياوية قبل إنجاز التحرير الكامل للعراق، تنفيذ مشروع تطويق المشهدين العسكري والسياسي والهيمنة على الحكم في بغداد، ويقال بأن نوري المالكي سيستثمر تلك المرحلة الفوضوية ويقفز على السلطة بغطاء الفوز الانتخابي عام 2014.

اعتقد حيدر العبادي أن بيئة الحرب على داعش ستبعد مؤقتا استحقاقات العرب السنة، وقد تضيع في لجة نيران هذه الحرب، وتبعد كذلك مخاطر صراعات القوى الشيعية التي أخذت تقترب من أبواب حكمه، لكن ذلك لم يتحقق، ومع ذلك كله تبقى الفرصة قائمة أمام العبادي في إدارة اللعبة الحالية عن طريق تنفيذه قرارات المجازفة التاريخية لصالح أبناء العراق عبر بوابة العرب السنة، وبذلك يمكنه أن يتحول إلى زعيم وطني.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر