الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الصفائح الزلزالية للأسد

الرقيب السوري قام بتدوير خط زلزالي على خريطة علمية وإبعاده بضعة ملمترات عن القصر الجمهوري حيث يسكن بشار الأسد!

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/02، العدد: 9338، ص(3)]

أعلن بشار الأسد في مقابلة تلفزيونية العام الماضي عن أنه مطمئن على مستقبله في سوريا، بسبب كونها تقع على صفائح زلزالية سياسية وأن تلاقي تلك الصفائح يجنّبه خطر السقوط.

ولم يأت هذا الكلام من فراغ في الوعي السياسي المتهالك لمعنى المصالح والمستعد إلى تقديم كلّ شيء من أجل البقاء، ففي العام 2001 قدّم الصحافي السوري إياد شربجي، وكان طالبا في كلية الجيولوجيا في جامعة دمشق، مقالا هامّا وعلميا جدا يناقش التموضعات الزلزالية وخطوط التوتر والصفائح التي تمر بسوريا، وكان يعدّ صفحتين في جريدة الدومري تهتم بشؤون الشباب والطلاب تحت عنوان (شبابلك) تحوّلت بعد سنوات إلى مجلة لافتة في السوق السورية الجرداء.

بعد دقائق هبط عن درج العليّة أحد المخبرين الذين كانت المخابرات السورية قد دسّتهم في الجريدة، وكان يلهث كبعير قادم من مفازة، واقتحم مكتبنا حيث قسم سكرتارية التحرير، وقذف بمقالة الشربجي على الطاولة، قائلا: انظر ماذا كتب هذا الشاب الطائش، الذي يريد أن يغلق الجريدة، هؤلاء لا يتحملون المسؤولية ومقالاتهم مليئة بالألغام! لم أفهم ما يرمي إليه، ولكنه كان صريحا ومباشرا فقال: انظر إلى الخريطة المرافقة للمقال الجيولوجي لإياد شربجي، نظرت ولم أجد ما يلفت نظري، فالمادة علمية ولا يتوقع أحدٌ أن تحتوي على ممنوعات رقابية، قلت: مادة نظيفة من كل خطر، ما الذي يزعجك فيها؟ قال: انظــر أيـــن يمرّ الخط الزلزالي قرب دمشق، ألا تــرى أنه يمرّ من تحت القصر الجمهوري!

دققت النظر، وبالفعل كان الخط الزلزالي يمرّ من منطقة تسمى فالق الربوة، وهي منطقة تلاقي صفائح قديمة جدا وعمرها ربما ملايين السنين، وقلت له إن الأمر عادي، ولا أرى فيه ما يزعج السلطة، قال: لا هذا اعتداء على الأمن الرئاسي!

قلت له كاتما غضبي من غباء الرقيب السوري: لا مشكلة، ورأيي أن ينشر المقال فهو مادة تنفع الناس والجهات العلمية في سوريا مقصّرة في تغطية ما غطّاه الشربجي هنا.

خرج الرقيب الغاضب، وكان أستاذا في كلية الصحافة السورية حينها، وهو يخبط الأرض، متجها إلى مكتب الفنان القدير علي فرزات صاحب الامتياز وصاحب القرار الأول في النشر، لمناقشة الأمر فلم يكن قد اقتنع بما قلته له.

وبعد دقائق عاد مبتسما، وقال وقع حل المشكلة، وقد اقترحت على الأستاذ علي فكرة ذكية، وفي اليوم التالي صدرت الجريدة والمادة على صفحاتها، لم يتغير فيها شيء، والخريطة المرفقة لها منشورة، ولكن بتعديل بسيط على الخط الزلزالي، فقد قام الرقيب بتدوير الخط وإبعاده بضعة ملمترات عن القصر الجمهوري حيث يسكن بشار الأسد! وهكذا اطمأن الرقيب المختص في أمن الرئاسة من صروف الدهر وكوارث الطبيعة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر