الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

هي التي تركل

عندما تمضي القطة لسهرتها أو عندما تظهر لتتسكع، تمضي بهدوء وتمشي مشية واثقة، فيها تعمد تحريك الوركين صعودا ونزولا بحركة ثقيلة وواثقة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/05/05، العدد: 9908، ص(24)]

زميلتان انتقلتا إلى شقة جديدة قرب شارع الحرية الشهير في تونس العاصمة. عشية نقل الأثاث قلت لإحداهما سترين قططا أو على الأقل قطة واحدة تتفرج على عملية النقل. صباح اليوم التالي خاطبتني صاحبتي لتقول كانت هناك أربع قطط في مستوى الرصيف وواحدة تعتلي شاحنة النقل تتفرج على نقل الأثاث.

لا أعرف تونس جيدا، لكني عرفت أن قططا ستراقب نقل أثاث الزميلتين. هذا طبع لدى القطط انتبهت إليه منذ زمن. أعيش في نفس المنطقة في جنوب إنكلترا منذ أكثر من ثلاثين عاما. لم أشهد في حياتي عملية نقل بيت دون أن تكون هناك قطة تتفرج مبهورة على المقاعد والأسرّة في غير محلها المألوف والثلاجات في وضع أفقي وهي تُحمل لتبتلعها شاحنة مشرعة الأبواب. مشهد الكنبات والفراش في الشارع عجيب.

سبب ذلك أن القطط حيوانات متسكعة. المتسكع يوقفه أي شيء؛ أي دكان أي أنوار أي كيس زبالة. ثم إن القطط في كل العالم، من تايوان حتى كولورادو، وفي عصرنا هذا تعرف أنها كانت معبودة في مصر الفرعونية.

كيف تعرف وهي لا تقرأ كتبا في الفرعونيات ولا تزور المتاحف إلا نادرا؟ لا أحد يدري لكنها تعرف وتتصرف بموجب تلك المعرفة الغريبة. لاحظوها جيدا كيف تمشي وكيف تنظر، كل شيء فيها ينطق بـ”أنا معبودة، أنا الألهة باستيت”.

القطط تعتني بمظهرها. جارنا عنده قطة أنظر إليها من النافذة وقت الغروب. أراها تلعق وتمشط بمخالبها وتتزين، مثل سيدة حسناء، زينة قبل السهرة.

تأخذ زينتها وتنهي آخر لمسات التسريح وترطيب فروها. بعد كل هذا التجمّل تخرج لتغوص في صناديق القمامة، فتلك هي أماكن السهر التي تستعد لها كل هذا الاستعداد.

عندما تمضي القطة لسهرتها أو عندما تظهر لتتسكع، تمضي بهدوء وتمشي مشية واثقة، فيها تعمد تحريك الوركين صعودا ونزولا بحركة ثقيلة وواثقة.

تمشي مثل جون وَين في أفلام رعاة البقر أو مثل قائد كمين شرطة عندما يوقف سيارتك ويأتي إليك بتثاقل وغطرسة. القطة في هذا الحال ترفع ذيلها إلى أعلى مثل ايريل الراديو.

وعند العراك تشتبك القطط بضراوة صادقة مثل الشيشان ويخيّل إلي أن لكل واحدة منها ست عشرة يدا مشتبكة.

تبدأ بأصوات تشبه الغرغرة قبل الاشتباك ثم تصير صراخا مفزعا يحمل خلاصة شرور الدنيا، صراخ مفزع حقا ومريع.

الأمر المبهج هو أن القطط تتعرض يوميا للركل. لماذا الركل بالذات؟ أعرف لماذا، لأن ارتفاعها لا يسمح بالصفع واللكمات.

القطة مصنوعة للركل، وتستأهل ذلك، وهذا ما يوصي به الحكماء وذوو الحجا والأطباء أيضا. متعب وغير مجد أن توجه لكمة أو صفعة إلى قطة؟ الركل هو الحل.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر