الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

سارع للحصول على صك توبتك

حتى لا يتكرر المشهد العراقي علينا استيعاب دروس الماضي والحاضر، ونكون أكثر جرأة في فضح وكنس أفكار أولئك الملتفين على الدين الإسلامي والمتمعشين منه.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/05/08، العدد: 9911، ص(21)]

من قتل ولم يقتل، ومن كفر ولم يكفر، ومن لم يقترف إثما ولا ذنبا ليسارع الجميع على حد السواء للحصول على صك توبة من المفوضين عن رب العباد قبل أن يفوته الأوان، ويغلق باب التوبة وتقوم القيامة.

إنها فرصتكم الأخيرة للحصول على شهادة في إثبات حسن السيرة والسلوك في الدنيا، وإلا لن يخوّل إليكم دخول الجنة كما دخلها “ابن القارح” -بطل “رسالة الغفران”- الذي حمل معه صك توبته إلى الآخرة.

أستحضر هذا الأثر الأدبي -الذي هو في الأصل قصة خيالية عن يوم البعث استلهمها أبوالعلاء المعري من تصورات العامة حول الجنة- ليس للحديث عن فحواه، بل لأنه أحالني على “رسالة غفران” جديدة من واقع الحال المضحك المبكي في مجتمعاتنا العربية.

فمن شاء منكم أن يؤلف كتابا من صميم الواقع، فإنه لن يجهد كثيرا في البحث عن مفردات وتلوينات ليزين بها أثره كما فعل المعري، فما يجري في أراضينا العربية بإمكانه أن يلهمكم مجلدات وليس أثرا وحيدا.

إن التصوّرات الدنيوية ومعتقدات بعض المذاهب الدينيّة حول الشفاعة، والآمال التي يعلقها الكثيرون عليها للفوز بنعيم الجنّة، والفتاوى التي يروجها المدعون في الدين معرفة، تبدو أشبه بمسرحية، ولا يحتاج المسرحيون إلى حبكة درامية لتصوير الماخور الدّنيويّ الذي يقوده من نصبوا أنفسهم مصلحين في الأرض، في حين أنهم لم يبرعوا سوى في سلخ الدين الإسلامي عن تعاليمه الحقيقية.

لقد حول هؤلاء “المتأسلمون” العقائد إلى سلاح مشهر على الرقاب، وبات النفاق الملون بالخطابات الدينية الملفقة والشهوات الجنسية مدعاة لسفك دماء الأبرياء والتنكيل بالأطفال واغتصاب النساء.

وكأن التاريخ يعود بنا قرونا إلى الوراء لنعيش عصر الانحلال والفساد نفسه الذي كان عليه عهد “الكنيسة البابوية”، حين كانت الكنيسة تمنح صكوك الغفران لمن تشاء مقابل مبلغ مادي يحدد حسب قيمته ونوعية الخطايا التي يرتكبها الشخص، ثم على إثر ذلك يتم الإعفاء عنه إما كليا أو جزئيا.

هل تريدون أن أذكركم بكم قتل اليوم من العراقيين الذين صدقوا بأن الإسلام السياسي سيمنحهم الحرية والعدالة ويحقق لهم الازدهار والرخاء، وكم يقتل منهم يوميا بعد أن فتح المشهد السياسي العبثي الأبواب لتنظيم داعش على مصراعيها، ففرض الإرهابيون قوانينهم على السكان في شماله وغربه، واحتلوا قرابة ثلث مساحته الجغرافية.

وحتى لا يتكرر المشهد العراقي علينا استيعاب دروس الماضي والحاضر، ونكون أكثر جرأة في فضح وكنس أفكار أولئك الملتفين على الدين الإسلامي والمتمعشين منه، لأنه في استمرار وجودهم على منابر الفكر والفقه لن يكون القادم أحلى.

والأكيد أن القضايا الاجتماعية للشعوب هي التي تعيش مأزقا حقيقيا وتحتاج إلى من يدافع عنها، وليس خالق الكون الذي هو في غنى عن قوى ردع تنوبه في الأرض، وتنكل بكل من يخرج عن دينه أو لا يحترم تعاليمه، أو يقر بدلا منه من يدخل الجنة ومن يكون مصيره جهنم.

الشعوب اليوم في حاجة ماسة إلى مفكرين حياديين قادرين على قلب الطاولة على هؤلاء المدعين، من دون خوف من إلههم المزعوم الذي هو في حاجة إلى حماية منهم.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر