الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

ما رواه البخاري

بين البخاري والبخاري اثنا عشر قرنا من الزمان، بقي فيها الإنسان هو الإنسان، قدراته محدودة، ووعيه ذاتي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/05/08، العدد: 9911، ص(24)]

يروي أهل الحماد في شمال جزيرة العرب، بيتا من الشعر، منقولا عن أحد الفلاحين الأميّين من أبنائهم، كان قد ذهب مرة يتيمة إلى الجامع، فسمع الشيخ يردّد بعض الأحاديث قائلا: رواه البخاري ورواه مسلم ورواه الترمذي، فما كان من الفلاح إلا أن عاد إلى عمله في سقاية الأرض وحرثها، متنهّدا ينشد “قَضّيت عُمري بين هَدبانْ وهديبْ ورَويتْ ريٍ ما رواه البخاري”، ظنا منه أن رواية البخاري مثل رواية الماء لزرع هدبان وهديب وهما من سكان المنطقة آنذاك.

وقد آن أن تتخلص الذهنية العربية والإسلامية، من تقديس البعض كالبخاري وغيره، مع حفظ دورهم ومكانتهم واجتهادهم، فالبخاري ذاته كما ينقل عنه الخطيب البغدادي في “تاريخ بغداد” كان يقول عن نفسه “رُبّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة كتبتُه بالشام، ورُبّ حديثٍ سمعتُه بالشام وكتبته بمصر”.

ولم يكن غيره أفضل منه في بقية المذاهب والطوائف، على أن الأرحام لم تجفّ عن إنتاج العقول والمفكرين، فما الذي يمكن أن يفعله أبناء الأمة إن أُحكم الطوق على أدمغتهم وأُغلقت عليهم الدوائر؟

وكان لدينا في دمشق، صديقٌ بخاريٌ آخر، غير أنه لم يكن محدّثا، رغم ثقافته التراثية الرفيعة المجاورة لمعارفه العالمية التي رفدتها اللغات، كان قادما من موريتانيا السمراء، جاء مرة ليدرس الفلسفة ولم يغادر دمشق بعدها، استوطنها وسكنها وجعلها مكانه وملعبه، مثله مثل كثيرين جاؤوا من المشرق والمغرب، كان البخاري نحيلا حميما وودودا مثل رسوماتٍ بالحبر الأسود قادمة من قبائل نواكشوط. قليلون يذكرونه الآن بعد أن رحل في دمشق ودفن فيها في مقبرة “الحسينية” صيف العام 2011، ولكن من واظب على حضور أفلام مهرجان السينما في دمشق، لا يمكنه أن ينسى ترجمة محمد البخاري الفورية للأفلام الناطقة بالفرنسية، تلك الترجمة التي كان يجتهد فيها إلى آخر حد، ممسكا بميكروفونه الضخم، فكان لا يترجم إلا ما يعجبه، يغيّر في النص، ويصمت إذا شتم أحد الممثلين الآخر، يتصبّب جبينه عرقا من على كرسيّه في زاوية معتمة في صالة السينما، وكثيرا ما شعر بالحرج في ترجمة حوار مشاهد الحب والغرام، خاصة إذا كانت البطلة هي التي تتحدث مع البطل، حينها كان البخاري يتصرّف من عنده، ليصبح سيناريو الفيلم “كما رواه البخاري”.

وحين ازدرت الأنظمة والحكومات العربية الثقافة الحديثة والإنتاج الأدبي والفني والفكري الجديد، صعدت كتب التراث وملأت معارض الكتب بأرخص الأسعار، ودون أن يعي الناشر الذي يريد الربح، أو الرقيب الذي يخاف من الجديد لعلاقته بالسلطات، تم إغراق الناس بالفكر القديم، فعاد الماضي ليسكن الحاضر، إذ أن القليلين يمكنهم الصمود أمام غواية التراث وسحره وغناه، والتعامل معه بعقل نقدي حر مع الاستناد الأصيل والمتين إليه.

بين البخاري والبخاري اثنا عشر قرنا من الزمان، بقي فيها الإنسان هو الإنسان، قدراته محدودة، ووعيه ذاتي، فما يتطلبه جمع وتدقيق ستمئة ألف حديث نبوي، ليس أقل من عددٍ هائل من مراكز الأبحاث المتطورة ذات الكوادر الضخمة والإمكانات الكبيرة التي لا يقدر عليها رجل واحد قطعا.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر