السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

ابتذال المعنى في قضية تجديد الخطاب الديني

لم يسجل التاريخ أن رجال الدين، أي دين، ثاروا على فكر ديني، فضلا عن الثورة على الحاكم المستبد، اللهم إلا كاستثناءات تؤكد القاعدة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/05/12، العدد: 9915، ص(8)]

ابتذل مصطلح “الثورة الدينية” في مصر، منذ إطلاقه بأمر رئاسي أول أيام عام 2015. طرف وحيد لم يبتذل مصطلح “الثورة الدينية”، بل سعى إلى ترويضها واحتوائها، على طريقة كل أعداء الثورات في ترويض واحتواء كل الثورات، فعمد إلى معاداة المنادين بالثورة على فقه ديني كان اجتهادا بشريا ينتظر اجتهادا عصريا. في هذا السياق ليس أسهل من الاتهام بهدم تراث الأمة، بل ذهب الشيخ علي جمعة، مفتي مصر السابق الذي لا يريد أن يتقاعد، إلى أبعد منذ ذلك، قائلا في ندوة بمقر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بالقاهرة، يوم 17 يناير 2015 إن من ينتقدون كتب التراث “تافهون… هدم كتاب التراث هدم للأمة”.

هذا الطرف الوحيد واضح، وهذا الوضوح يحترم، وهذا الاحترام خاص بتقدير الضعف البشري في الدفاع عن “أكل العيشْ”؛ فليس من المنطق أن يثور رجل الدين عما وهب عمره للدفاع عنه، ولم يسجل التاريخ أن رجال الدين، أي دين، ثاروا على فكر ديني، فضلا عن الثورة على الحاكم المستبد، اللهم إلا كاستثناءات تؤكد القاعدة. هناك صمود نبيل للإماميْن مالك وأحمد بن حنبل، ولكن أيا من رجال الدين الرسميين لم ينصر شهداء الكلمة أمثال الحلاج والسهروردي إلا بالنية ومحلها القلب.

لا يحاول من يبتذل مصطلحا أو فكرة أو كلمة أن يردد اسمه مئة مرة. جرب أنت الآن، توقف عن قراءة هذه السطور، وبصوت عال ردد اسمك، أو اسم ابنك، أو لقبك، ثم تدبر ماذا يعني ما تنطق به بعد تكراره عشرات المرات، لن تجد له معنى أو دلالة.

وقد تعبنا، في مصر، طوال أربعين عاما من ابتذال مصطلحات وشعارات يتم إطلاقها للإلهاء. في السبعينات اخترع شعار “العلم والإيمان”، ولم تثمر المرحلة البائسة إلا برنامجا تلفزيونيا لمصطفى محمود يحاول إثبات أن للحقائق العلمية، التي ينسخ بعضها بعضا، أصلا في القرآن، وخرجنا من عصر أنور السادات أدنى أخلاقا، بل إن الرجل نفسه قتل، وتبعه 118 جنديا من المساكين في أسيوط بفتوى لعمر عبدالرحمن.

وفي منتصف الثمانينات اخترعوا لحسني مبارك “الصحوة الكبرى” شعارا لمرحلة أكثر بؤسا. سوّدت مقالات تافهة، وعقدت ندوات لتحديد أهدافه، وابتذلت شروح على متن لا وجود له. واندفع محمود ياسين، متجاوزا الحوار المكتوب لممثل، والحركة المرسومة له على خشبة مسرح، وكتب قصيدة إنشائية ما زلت أذكر الشطر الثاني لأحد أبياتها “هي صحوة كبرى”. ثم اخترع مثقفو جمال مبارك، من مهندسي تنصيبه في السنوات الأخيرة للحكم الصوري لأبيه، شعار “فكر جديد”، هو لو يعلمون إدانة واضحة لفكر تقليدي لا يسأل عنه إلا أبوه.

وبعد يومين من نسف شرعية مبارك في “جمعة الغضب”، اخترعوا له يوم الأحد 30 يناير 2011 شعار “خطاب التكليف”. صدعت ماكينة الإعلام رؤوسنا بكلام عن تسليم مبارك رئيس وزرائه الجديد الفريق أحمد شفيق خطاب التكليف للحكومة الجديدة، ووصفت نشرات الأخبار خطاب التكليف بأنه “أقوى خطاب تكليف في تاريخ الوزارات المصرية”، إذ احتشد بكلام إنشائي عن التصدي للفساد، والإصلاحات الدستورية والتشريعية، وضبط معدل التضخم وحركة الأسواق.

كان عبثا أقرب إلى إعلان الإيمان بالله عصر يوم القيامة، فما بالك وقد قامت القيامة قبل يومين في جمعة الغضب؟

في مساء ذلك اليوم، 30 يناير، نزل مثقفون إلى ملعب غادره السياسيون. سمعت في التلفزيون مدحت الجيار متصلا أو متصلا به، للكلام عن فضائل “خطاب التكليف” ومزاياه. كلام رتيب، أقل رصانة من تصريح جابر عصفور إلى قناة “أون تي في”. المذيع الذي لا يعرف صفة ضيفه كرر اللقب “الأستاذ جابر” بضع مرات، ولم يبال الدكتور بنزع اللقب، منشغلا بما هو أكثر أهمية، بالدفاع عن “السيد الرئيس”، وكرر “السيد الرئيس” بضع مرات. تخلى الدكتور عن منهج طه حسين، واتهم من يعادون “السيد الرئيس” بالغباء، ولم يدرك أنهم لا يعادون شخص مبارك. ذكر “الأستاذ جابر” كلمتيْ “العصابات المسلحة” مرتين وقال “المشهد كارثي إلى أبعد حد، وأنا لم أر في حياتي مصر في هذه الفوضى والانفلات الأمني.. الشباب المصري هذا ليس هو ذلك الذي يتركز في ميدان التحرير، لأن الذين في ميدان التحرير هم جزء من كل… الدور الآن في تقديري على السيد الرئيس، بعد إعلان التشكيل الوزاري، أتمنى أن يقوم السيد الرئيس بإصدار بيان يعد فيه بتعديل المواد سيئة السمعة من الدستور… نحن لسنا ضد الرئيس مبارك”.

بالطبع لم يكن الدكتور يتحدث باسمنا حين قال ذلك، ثم امتلك من اليقين ما دفعه إلى التشديد على أنه “لا يوجد مصري عاقل ضد الرئيس مبارك شخصيا… أما هؤلاء الذين يتصرفون كما لو كان هناك عداء غبي بينهم وبين شخص الرئيس فهؤلاء للأسف أغبياء”. وسوف يتناسى “الأستاذ جابر” ذلك كله، ويقول بعد خلع مبارك “مبارك لن يبقى منه شيء”.

تبتذل الشعارات فتصير دخانا لا يترك أثرا. وسيبقى رجال الدين ملوك العصر، لأنهم فطنوا إلى أن تجديد الخطاب الديني قضية أكبر من الأمر الرئاسي، إنجاز لو تحقق فسينهي دورهم.

وفي هذه العتمة خاض علمانيون مراهقون، ومن تعلْمَنُوا لغرض في نفس يعقوب، وملأوا الفضاء هواء فاسدا، بحسن نية أو بسوء؛ فهذا الأمر الخطير يقتضي كثيرا من الإخلاص العلمي والعكوف البحثي، لتكون النتيجة ثمرة اجتهادات تتفاعل بعيدا عن الاستعراض الإعلامي، ومناظرات الديكة التي ترضي بعض المغفلين وتستهدف معلني البضائع.

إذا استعرت مصطلح “الأستاذ جابر” عن “الأغبياء” فربما هم الذين لم يعرف عنهم اشتغال بالشأن العام ولا الكتابة، بل انشغال عن ذلك، ثم صاروا مناضلين يطالبون بتجديد الخطاب الديني. تدهشني امرأة جميلة، كانت جميلة حين كانت سكرتيرة بمؤسسة حكومية، وحكمت مؤسسة حكومية من الباطن، دون منصب رسمي، وما أدراك ماذا يكون استبداد ملك اليمين؟ ولا يقل عنها بؤسا مراهق اختصر تجديد الفقه في “مليونية خلع الحجاب”، جاهلا بسياق نزع هدى شعراوي لليشمك التركي، وظهر وجهها فقط “سافرا لأول مرة بين الجموع فلم نجد له تأثيرا أبدا”.

لا ينقذنا من هذا الابتذال إلا قول المهدي المنجرة “الهروب إلى الكلمات دليل على غياب المعنى”، والله أعلم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر