الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

الاثنين 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10818

هويات جديدة

التحدي الذي تواجهه الثقافة العربية في ظل نظام العولمة، خلق حالة من النكوص والارتداد إلى ثقافة أحادية أخرى، لا تقل استبدادا وانغلاقا عن ثقافة الأنظمة الشمولية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/05/12، العدد: 9915، ص(15)]

الثقافة الأحادية التي كرستها قوى الاستبداد العربية وأيديولوجياتها القومية، ساهمت إلى حد كبير في إفقار الثقافة الوطنية، عندما قامت بتغييب طيف من المكونات الثقافية للمجتمعات العربية.

الطبيعة الشمولية التي قامت على أساسها تلك الأيديولوجيات، ومعها الأنظمة الاستبدادية التي حكمت باسمها، ثم اختصرتها في شخصية القائد الملهم، هي المسؤولة عن هذا الإقصاء والتغييب، الذي امتد ليشمل الثقافة الوطنية نفسها، ويحيلها إلى ثقافة للتلقين والترويج والرؤية الواحدة.

في ظل هذا الواقع أصبحت أزمة الثقافة، الناجمة عن غياب فضاء الحرية والتعددية والإبداع أزمة مركبة تطال كل مجالات الحياة الثقافية المختلفة.

هذا الواقع المحاصر والمصادر هو المسؤول عن المآلات الراهنة للثقافة العربية، وعن غياب الفاعلية التي كان يمكن لها أن تقوم بها على صعيد التحولات الثقافية والاجتماعية المرتجاة، في الفكر والوعي ومنظومة القيم الجديدة، في عالم سريع التحول والتغير والتطور.

ثورات الربيع العربي على الرغم من تحولها إلى شتاء دموي عاصف، أعادت التفكير في واقع الثقافة العربية، وفرضت ضرورة المناقشة والبحث في الأسباب الفكرية والاجتماعية والسياسية المسؤولة عن هذا الشتاء، الذي تتداخل عوامل انفجاره وتعقيده. وهكذا أصبحت العلاقة بين التحدي الداخلي الذي تواجهه الثقافة العربية، والتحدي الخارجي على درجة بالغة من التعقيد، باتت تستدعي معه تفكيك منظومة القيم والمفاهيم التي حكمتها طوال الفترات الماضية، وإعادة النظر في مجمل شروط تكوينها وإنتاجها وتوجهاتها، بصورة تتحول معه إلى ثقافة تعبر عن حالة التفاعل بين جميع المكونات الثقافية المختلفة للمجتمع، وهو ما يفترض تحقيق ديمقراطية ثقافية تؤمّن فضاء واسعا من الحرية.

لكن التحدي الذي تواجهه الثقافة العربية في ظل نظام العولمة، خلق حالة من النكوص والارتداد إلى ثقافة أحادية أخرى، لا تقل استبدادا وانغلاقا عن ثقافة الأنظمة الشمولية، إن لم تكن تبزها من حيث العنف والإرهاب بحكم السلطة المتعالية التي تدّعي تمثيلها. إن هذا الواقع وما يكشف عنه من جذر ثقافي واحد تتغذى منه هاتان السلطتان، وممارساتهما الاستبدادية، يستدعي تفكيك بنية هذه الثقافة، وتأمين شروط تطورها وعناصر إبداعها، وانفتاحها على العصر والحياة، بما يحقق لها دورها الفاعل في إعادة بناء منظومة القيم والمفاهيم الجديدة، التي تعكس وعيا متقدما في العلاقة مع الذات والعالم.

من هنا فإن سقوط الاستبداد السياسي هو المقدمة الضرورية لسقوط الاستبداد الثقافي، وتحرير الحياة من جميع عوامل القهر والمصادرة والإلغاء، وبالتالي بناء هوية ثقافية جديدة، تعبر عن التفاعل الحي بين مكونات الواقع الثقافي المختلفة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر