الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

له طريقة

الأطباء في الغرب يتعجبون من قدراتنا على التعايش مع الألم، هم لا يعرفون أن الألم له طريقة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/05/12، العدد: 9915، ص(24)]

في ذات صيف كنت في القاهرة أقيم في شقة صديق سافر ودعاني للإقامة في سكنه فترة غيابه. انتبهت إلى أن محمص الخبز عنده لا يعمل. "محمص الخبز" هذه ترجمة سمجة لجهاز اسمه توستر. سأدخل هذه الكلمة، الـ”توستر”، إلى لغتنا الجميلة في هذا العمود ولا ضير من ذلك، فهكذا تنمو اللغات وتتسع. مجرم من يمارس التطهير العرقي في اللغة.

رحت اشتريت توسترا جديدا، وعندما أخبرت صديقي المسافر بالهاتف عما فعلت، امتعض وقال إن التوستر يعمل ولكن له طريقة.

الـ “له” هنا تلفظ بضم اللام وسكون الهاء، بالنطق المصري. اتضح أنه سيعمل إذا ما أبقيت مفتاحا معينا مضغوطا طوال وقت التحميص. لم ألتفت إلى خطورة المسألة في حينه.

بعد أيام زرت صديقا آخر في القاهرة. دخلت مصعد العمارة وكبست الزر للطابق السادس ولم يتحرك المصعد وظل في سبات عميق. كبست الزر ثانية فصدر عن المصعد صوت يشبه النهنهة العميقة ولم يتحرك، صوت مثل همهمة الغافي الذي لم يشبع نوما. كان يشعرني بانزعاجه من مقاطعتي سباته. كلمت صديقي وقلت له إني واقف تحت وإن المصعد عاطل. قال صاحبي القاهري إن المصعد يعمل ولكن “لُه طريقة”.

شرح لي أن علي أن أدخل المصعد وأغلق الباب ثم أدس أظافري في مسافة المليمتر الواحد بين السطح المعدني للباب وسطح النافذة الزجاجية الضيقة الواقعة في وسط باب المصعد. هناك فراغ صغير؛ أقل من مليمتر يكفي لاندساس أظفر. تضع أظافرك فيه وتشد الباب شدة إضافية هيّنة ينطلق عندها المصعد بهمة ونشاط مثل الأتراك. هنا أدركت أن المسألة أكبر مما كنت أتصور، وأن الـ “لُه طريقة” توجُّه وأسلوب وفلسفة في الحياة.

رحت أرصد الـ “له طريقة” ووجدتها مطبقة في كل شيء، في السيارة، في المكواة، في أجهزة السي دي، في تشغيل التلفزيون، كل جهاز أو عتلة وحتى الباب والنافذة لها طريقة. تفتح النافذة بضغط شيء ورفع شيء في آن واحد. الحياة متعبة وفق مبدأ الـ “له طريقة”.

الأخطر من هذا كله أني رأيت بشرا يحتاجون إلى عملية زرع مفصل اصطناعي بين الساق والحوض.

تآكل ذاك المفصل يؤدي إلى حال مؤلم وملازم للإنسان في كل حركة ولدى النوم والاستلقاء أيضا. عذاب في كل لحظة ومشي موجع ومناورات غير محمودة للورك.

في الاستلقاء يُحرَّك الورك بتدويره عدة درجات، بحيث يصبح الإنسان مثل مكعب روبيك، إن كنتم تذكرونه. وفي المشي عرج غريب وحركة ورك مصاحبة مضحكة لولا الألم الذي يدرأ السخرية.

تقول لصاحب العذاب المستمر لأعوام إنك تحتاج إلى عملية في مفصل الحوض فيقول لك “لا. مفصل الحوض عندي شغّال ولكن له طريقة”.

الأطباء في الغرب يتعجبون من قدراتنا على التعايش مع الألم. هم لا يعرفون أن الألم له طريقة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر