السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

المنقبون والمنقبات في العالم الافتراضي

فيسبوك وكل المواقع الاجتماعية على حد السواء باتت منبرا مفتوحا لمن هب ودب، ولطرح الأفكار المتطرفة والتعدي على خصوصيات الآخرين بكل حرية.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/05/15، العدد: 9918، ص(21)]

في عالم تضيق فيه المسافات يتهافت عليك المنقبون والمنقبات من كل صوب وحدب، طالبين التعارف والتصادق والارتباط والزواج، وغير ذلك مما تسول إليهم أنفسهم وهم يتصفحون صورك ومحتويات صفحتك في واجهة ذلك الكتاب المفتوح على العالم.

تصلك رسائلهم من حيث لا تعلم، وتقتحم عليك خلوتك دون سابق معرفة، وحدث ولا حرج عما يرسلونه أو يكتبونه، فيها تجد الاستعراضات الشعرية الملونة بالمدح والغزل والوعظ والنصح، والبعض الآخر أغان وفيديوهات وصور عري وما شابه ذلك، وقد يصل الأمر إلى حد الثلب والسب والشتم، وربما أشياء أخرى أبعد من ذلك، تربكك وقد تصدمك أحيانا وتجعلك في حيرة من أمرك، تسأل نفسك من هذا اللعين؟ ومن يجرؤ على إرسال مثل تلك الرسائل القبيحة؟، فلا حول لك ولا قوة سوى السؤال عن المرسل المتخفي داخل جهازك الإلكتروني.

قد تحاول أن تختبر ذكاءك ومعلوماتك ومعارك في مجال التكنولوجيات لفك شيفرة مقتحم عقر حسابك الاجتماعي، ولكن هيهات أن تجد رابطا يدلك على هويته، أو يعطيك مؤشرا عن مكان وجوده، وحتى وإن وجدت، ففي الغالب يكون اسما مستعارا لا يحمل أي دلالة، فترتاب في أمره وتسأل نفسك ماذا يريد منك أو لماذا اختارك أنت بالذات ليسلط عليك بلادته المقيتة، ولن تجد جوابا في قرارة نفسك يرضي فضولك وحيرتك، ولكن كن متأكدا أنك لست الضحية الوحيد فأمثالك كثيرون والرسائل تتهاطل يوميا بالملايين.

أحيانا قد تتوجس خيرا في بعضهم، فتفتح له الباب للدخول بعد أن تتأكد من محتوى صفحته، وبمجرد أن يصبح في قائمة أصدقائك ترى منه العجب العجاب، فتندم على قبولك له، فتسارع إلى حذفه أو سد حسابه، ولكن مع ذلك يبقى اسمه رهينة عندك.

ربما تتمنى في قرارة نفسك أن تمحوه من صفحتك للأبد، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فالخيار ليس بيدك بل بيد شركة فيسبوك التي تركت لك الفرصة مفتوحة لعلك تصفح عنه وتعيده إلى قائمة الأصدقاء، وتركت له ولأمثاله الأبواب الخلفية لموقعها الاجتماعي مفتوحة على مصراعيها، متعللة بالعجز عن حماية رواد شبكتها من قراصنة الإنترنت وخدع “التصيد الاحتيالي” التي تستهدف بيانات المستخدمين.

كل شيء أصبح اليوم مباحا في هذا الاختراع “الأكثر رعبا في تاريخ البشرية” على حد تعبير جوليان أسانج‏، (مؤسس موقع ويكيلكس)، ففيسبوك وكل المواقع الاجتماعية على حد السواء باتت منبرا مفتوحا لمن هب ودب، ولطرح الأفكار المتطرفة والتعدي على خصوصيات الآخرين بكل حرية.

وكل ما يحتاجه هؤلاء هو رقم حسابك الشخصي في العالم الافتراضي، الذي هو في الغالب متاح للجميع، أو بإمكانهم الحصول عليه من أي شخص آخر.

يبدو جليا أن مثل هذه الفضاءات لم تعد آمنة كما يعتقد أغلبنا، فلا أحد يستطيع حمايتنا من قوى الشر الخفية التي تتربص بنا في الثغرات البرمجية للشبكات الاجتماعية والهجمات المنهجية لشياطين التكنولوجيا القادرين على فك جميع الشيفرات على شبكة الإنترنت والوصول إلينا.

والخطر أكبر بكثير من أن تنهيه مجرد إجراءات الحجب للمواقع المتطرفة أو المتعاطفة مع التنظيمات المتشددة من محركات البحث، إذا لم نغلق كل المنافذ على المتطفلين ونرمي جميع الرسائل المجهولة المصدر في سلال المهملات.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر