الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

لحية فخامتكم الصغيرة

مدارك الناس تفتحت ولم يعد ينطلي عليهم الدوران واللف على طريقة عمامة الشيخ تاج الذي مات مسموماً بعد أن انتهى دوره وهو على رأس منصبه، دون أن تطول لحيته.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/05/15، العدد: 9918، ص(24)]

ليست جديدة معاناة الناس مع متصدري المشهد من طالبي الولاية، والذين حصّلوا معارفهم في وادٍ وأرادوا استثمارها في وادٍ آخر، فقد قامت ذات يوم، صحيفة “المضحك المبكي” في اليوم التالي لـ “تعيين” أحد هؤلاء رئيسا لسوريا، بوضع صورته على غلافها وإلى جانبها صورة رجل فرنسي وكتبت على الغلاف “سبحان الخلاق العظيم” ولم تزد بحرف واحد، أما في الداخل فقد شرحت الصحيفة في وصفها للرئيس الجديد إنه “شاب في مقتبل العمر، لايزال خيرُه في ظهره، عمره 28 سنة، وله لحية لا تزيد عن نصف سنتيمتر، فلا يقدر أحدٌ أن يراها إلا إذا وقف على بُعد أقل من نصف متر، وله فم صغير بقدر الفستقة، وشاربان صغيران جداً، وأنف منمنم”.

كان ذلك الكلام عن الشيخ تاج الدين الحسني، الذي وافق على أن تقوم فرنسا بتعيينه رئيساً للدولة السورية، فخرج الشعب في مظاهرات عارمة ضدّه ووصفه بأنه “عدو الله” وهتف الناس في الشوارع “يا شيخ تاج يا بومه، يا بو لفّه مبرومه”، سيما بعد أن ضاعف الضرائب وسحب أموالاً طائلة من فقراء الشعب السوري لتمويل الجيوش الفرنسية، حينها احتجت النخب المثقفة ولم تقبل بهذا، ونشرت صحيفة الفيحاء مقالاً لكاتب باسم مستعار جاء فيه “.. ولسنا نرى من مصلحة الشيخ تاج الدين نفسه إسناد رياسة الدولة إليه، لأنه ليس من رجال سلك الحكام، فقد يكون الشيخ عالما منفصلا أو إماما يُقتدى به أو غير ذلك، ويكون في الوقت نفسه غير مستعد لقيادة جيش أو إقامة جسر أو ترؤس دولة”.

وكان الشيخ تاج هذا، قاضياً شرعياً ورجلاً سميناً مكوّراً لطيفاً ظريفاً توافقياً ليناً، أحلس لا لحية له سوى شعيرات قليلة، لم يفعل شيئاً، سوى أنه ترأس تحرير صحيفة “الشرق” التي كان يصدرها جمال باشا الحاكم العسكري التركي، ثم بعد رحيل الأخير، تقرّب تاج من الملك فيصل، وبعد رحيل الملك، نسج صداقات مع الفرنسيين، وكذلك مع الشخصيات الوطنية، التي اعتقلها حين أصبح رئيساً، فكان يميل مع النسيم العليل كيفما مال، ومن طرائف طريقة تعيينه، رسالة الجنرال كاترو، المندوب السامي الفرنسي، إليه التي وظّفه بموجبها بمنصب الرئيس، قائلاً “أقترح على فخامتكم أن تتسلموا مقدّرات سوريا، متخذين لقب رئيس الجمهورية السورية، مع الميزات والواجبات المترتبة على هذا اللقب، وأن تؤلفوا بهذه الصفة حكومة الدولة في أسرع ما يمكن من الوقت”.

وبعض ورثة الشيخ تاج اليوم، من لا لحية له أيضاً، وربما تكون لحيته أكثر اعتدالاً من لحية تاج ذاته، يحاول تطبيق وفبركة الأمور فوق بعضها البعض، وخلط الزيت بالماء، فيقوم بتدابير سريّة واتفاقات سرعان ما يتكشف أمرها، لتسودّ الوجوه مرة بعد مرة. لكن مدارك الناس تفتحت اليوم، ولم يعد ينطلي عليهم الدوران واللف على طريقة عمامة الشيخ تاج الذي مات مسموماً بعد أن انتهى دوره وهو على رأس منصبه، دون أن تطول لحيته.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر