الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

وعّاظ الطائفية

بماذا نصف انبطاح المثقف أمام الطائفية السياسية، ودفاعه عن مناهجها في التفكيك الاجتماعي وفي تغييب هوية الوطن والأمة، وفي تسويق النعرات الطائفية وتبريرها.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/05/18، العدد: 9921، ص(9)]

ما يثير القلق ويبعث على التشاؤم في العراق ما وصلت إليه الطائفية السياسية من تغلغل في شرايين النظام السياسي، لسبب بسيط هو أن أدوات هذا النظام هي كتل وقوى مؤدجلة على الإسلام السياسي المهيمن (الشيعي) والتابع المنفذ (السني)، ولهذا فالطائفية ومناهجها هي الحاضنة لغالبية تلك الحركات والأحزاب، كما أن سياسات الاحتلال الأميركي كرست النهج الطائفي ورعته وعززت نشاطاته، وأهملت الدعوات الصادرة من مجاميع وطنية كانت تعتقد بأن ما سمّي بالتغيير بعد التاسع من أبريل 2003 سيرسي قواعد الدولة الديمقراطية.

في العصر الراهن قد تختفي الطائفية تحت شعارات عديدة ولا تستطيع المجاهرة بهويتها، وتعجز عن الوصول إلى السياسيين داخل البرلمانات أو الحكومات لأنها غريبة وبعيدة عن العصر الحديث، أما أن تعلن عن نفسها بهذا الشكل الصارخ عبر أدوات مسلحة توزع القتل والإرهاب بعد تحالفها مع مافيات الفساد، فتلك مرحلة تهدد كيان المجتمع وتاريخه ووحدته.

لا يوجد داخل المنظومات السياسية خلال السنوات السابقة ما يشير إلى تبني سياسات مكافحة الطائفية والدعوة إلى دحرها، وتمكنت الطائفية السياسية من تكوين جمهور من المغلوبين على أمرهم يساقون إلى الاحتراب والتصادم في أبشع استثمار للموروث العقائدي المذهبي، وأخطر تسويق لحيثياته، وإبعاد أبناء العراق عن تراثهم وترابطهم الروحي الوطني الذي أبقاهم صامدين عبر قرون طويلة، بل إن مخاطر المد الطائفي وتحالفه مع الفساد، تكرّس أخيرا في المعركة ضد داعش، والتي يفترض أن يكون من أولى عناصرها إسقاط الطائفية وتحريمها وإبعادها عن مناخ المعركة الوطنية العراقية.

لقد يئس جمهور العراق من سياسييه الذين استخدموا الناخب أبشع استخدام في الدورات الانتخابية، وغسلوا أيديهم من أولئك الذين وجدوا في الطائفية حامية لمكاسبهم السلطوية والوجاهية، ولم يكن أمامهم سوى المثقفين لعلهم يشكلون آخر بيادق الدفاع عن مصالحهم، فدائما ما تكون هذه النخبة التنويرية الملاذ الأخير لأي مجتمع حينما تهدده المخاطر الكبرى، لسبب بسيط أن هذه النخبة تضع بينها وبين السلطة مسافة لحماية ضمائرها من الضياع، والمثقفون هم المنجم الذي تصنع داخله قيم حب الوطن والتنوير، ولا يمكن تصديق أن حالة في التاريخ شهدت أن يتحول فيها المثقفون إلى جحافل خادمة للطائفية السياسية اللئيمة، فقد قيل في نظرية “وعاظ السلاطين” بأنهم نقطة مظلمة في جبين الإنسانية، مع الكثير من المبررات التي قد يسوقها أولئك المثقفون في تعاطيهم مع السلطة الحاكمة أو أصحاب النفوذ، ولا ضير بعلاقة المثقف مع الحاكم العادل، لكن الحساسية المفرطة في وعي المثقف تحتم عليه وضع مسافة بينه وبين الحاكم والابتعاد عن تسويق المبررات له.

فبماذا نصف انبطاح المثقف أمام الطائفية، ودفاعه عن مناهجها في التفكيك الاجتماعي وفي تغييب هوية الوطن، وفي تسويق الطائفية وتبريرها؟ وكيف يمكن لمثقف أن يبرر لاحتلال أجنبي يحتل أرض وطنه؟ بل وصلت الأمور ببعضهم أن يمسح النظريات والمفاهيم التي ملأ بها الأرجاء، ويرمي في النهر كل ما قرأ من كتب ذات صلة بعلاقة الإنسان بوطنه ودفاعه عن وحدته، ويحل محلها دعوات التخندق الطائفي وإشعال الاحتراب الطائفي بين أبناء الوطن.

كيف يقف بعض المثقفين العراقيين، صامتين أمام جميع الفظائع التي يتعرض إليها شعب العراق في تمزيق أوصاله وشحن سيوف القتال لفتح أنهار الدم على سطح جسمه تحت لافتة الطائفية، يشاهد أمامه فصول التناحر والذبح والحرق في مدن العراق، كمثال مدينة الأعظمية ببغداد، ثم بعد ذلك يبرر لها بتبريرات تجعل فاعليها خلف مصدات الحماية عبر وسائل الإعلام.

هل تحتاج الطائفية إلى وعّاظ لها، مثلما كان سلاطين الاستبداد والدكتاتورية. ليس غريبا أن تصنع مناخات الانكسار والضعف والانكماش والتقهقر والفساد زعامات لها منافقين وقارعي طبول، وليس غريبا أن يكثر صناع الكراهية، لأنها لا تحتاج إلى مهارة، وليس غريبا أن تصبح المنابر مصدرا لإشاعة الكراهية والتوتر، لكن الغريب كلّ الغرابة أن يتحوّل بعض المثقفين إلى دعاة للطائفية.

لا تتوقف مخاطر الطائفية في العراق حيث تهدم مجتمعا متكاملا مرت عليه جميع فصول المدنية والحضارة، فمخاطرها تتبلور في امتداد نيرانها إلى المثقفين وتحولهم إلى حطب لها، ولكن مقابل ذلك هناك طلائع وطنية من المثقفين العراقيين يحاولون بإمكانياتهم الضعيفة مجابهة خطر الطائفية في العراق بمبادرات محدودة لن تتمكن دون أن تبلور السلطة السياسية والبرلمان مشروعا لتحريم الطائفية وتجريمها.

على المثقفين الذين يقفون في صف الطائفية مقابل شعب العراق، أن ينتبهوا إلى أنهم سيبتعدون عن هذه المكانة الريادية ويصبحون في معزل عن الناس، فمعارك الشعوب في النهضة والتنوير قادرة على الانتصار على قوى التخلف والطائفية المقيتة.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر