السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

المذهبية والبوشية الذهبية

الورقة المذهبية وسعار الإرهاب المتبادل، وزراعة فقدان الثقة، ستكون طريقا معبدا للسياسة الإيرانية التي كلفت العراقيين مستقبلهم بعد دم أبنائهم.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/05/19، العدد: 9922، ص(8)]

كثير من ساسة العراق، لعبوا في حياتهم ولفترات زمنية ليست بالقصيرة دور الظل للمصالح الإيرانية وكانوا أدوات احتياطية حتى في ماكنة هذيان الحرب ضد وطنهم الأم.

أثبتت الأيام والأحداث بعد احتلال العراق أن الظلال الباهتة منعدمة الشخصية، حاولت أن تتجسد كحقيقة ماثلة للعيان، لأنها استحوذت على السلطة، ظنت أنها قيادات حاكمة لها حق اتخاذ القرار، ومع تنامي نشوة الأحزاب والحاشية تفاقمت أمراض التماهي في الأدوار، فَحَسِبَ كل منهم أن سيّده أطلق سراحه، صدقوا أن قراراتهم تمثل استقلالهم، وأن كيانهم الجديد وجد فرصته لينشئ علاقات قائمة على الاحترام وتبادل المصالح المتوازنة مع سادة مصيرهم القديم.

بات واضحا أنهم مازالوا دمى، وفي كل مفصل من أجسادهم وعقولهم وقراراتهم شبكة خيوط تحركهم بإرادة ودون إرادة، وهي من سمح لهم بارتداء بدلات رجال الدولة وزعمائها. فقه الولاية الفارسية يقوم على قاعدة أن الخدم لا يمكن الثقة بهم لأنهم سراق، وطموحات تحررهم وهمٌ خطير، والعبودية تسكن أعماقهم، فما بالنا إذا كان هؤلاء العبيد يؤمنون بأن غدهم ملكٌ لسيدهم.

تلك الظلال كانت تستغل الأحزاب الدينية مغلقة المذهب في غزلها الطائفي مع النظام المذهبي بعد سقوط الشاه، وكانت عونا على أبناء جلدتها ومذهبها، عندما حاربت ضد جيش العراق الوطني في سنوات الحرب الثماني. كان الدفاع عن بلادهم يوحد العراقيين، وسال دمهم المشترك بقومياتهم وأديانهم في نهر مستقبلهم وتآخيهم.

إيران، مع الفارق في حكم الشاه، كان استعلاءها الإمبراطوري جليا في اعتداءاتها المتكررة على حدود العراق، وكنت احتفظ بمجموعة صور من أرشيفي الخاص لزيارة معمر القذافي سنة 1973 إلى البصرة، رفقة عدد من القادة العراقيين الذين ينبّهون ضيفهم إلى مصادر العدوان من جهة عبادان.

ذات العام وأنا في طريقي لموعدي الصباحي الأسبوعي لمشاهدة فيلم سينمائي في بغدادنا الواعدة، تأخرت وسط الزحام لأن الرئيس البكر كان يوجه خطابا من على المنصة القديمة وسط الباب الشرقي قبل إنشاء النفق، تابعت عن قرب انفعال الرئيس وتهديده لإيران بالكف عن عدوانها واستهتارها بأمن العراق. بعد الخطاب لم أفوّت فيلم “شيء من الخوف” الذي ينتهي بزواج عتريس من فؤادة باطل، الشعار المناسب والدائم للزواج غير الشرعي بين إيران وطموحاتها في العراق.

قبل بدء الحرب ضد العراق في 17 يناير 1991 أراد العراق أن يعزز السلام بينه وبين نظام جاره الشرقي ليأمن شروره، بتدعيم ثقته لعدم الخيانة، وحينها كان العراق يتعرض لأقسى تحالف عسكري دولي، وقرر إرسال طائراته إلى إيران حماية لها من التدمير، وحسب ما صرّح به الناطق الرسمي لوزارة الدفاع العراقية بعد احتلال الموصل أن إيران سلمت العراق 120 طائرة مع تسليحها للعراق بعد 23 عاما من التعنّت، أين هي الآن؟ ولا نعيد إلى الأذهان مأساة ما بعد انسحاب القطعات العراقية من الكويت.

من التحقيقات التي أجرتها القوات الأميركية مع الرئيس العراقي صدام حسين، سؤال عن سبب الاجتماعات المتكررة للقيادة العسكرية وتداولها في الإعلام، بما يعطي فكرة أن العراق يمتلك أسرارا في تسليحه وقوته القتالية، أجاب: كنا نرسل بذلك رسائل إلى النظام الإيراني عن قوة العراق، لأنهم غادرون ورغبتهم في احتلال العراق سافرة.

وإلى الآن وبعد مرور 35 عاما على بداية الحرب الإيرانية العراقية مازالت الاتهامات قائمة بوجود أسرى رهن الاعتقال في إيران، ومنظمات مختلفة بين شك ويقين بعد إطلاق آخر وجبة منهم عام 2009. رغم أن ظلالهم حاكمة في العراق، إلا أن ذلك لا يمنعهم من تبديد بقية ماء الوجه لأتباعهم، ولا نذكر جديدا بما يخص المياه وأملاح البزل وتصريفها إلى الأراضي العراقية أو تجاوزها على الحدود والخزين الاحتياطي النفطي.

اليوم خلعت إيران “البوشية”، وأطلقت عيونها الحمراء بوجه حتى حلفائها في العراق لينفذوا مخططها في استنفار النزعة الطائفية، وتوفير كل أجهزتها لتمرير تمزيق العراق واستغلال هشاشة وضعه في رسم خرائطها لتدفع بأهدافها إلى الواجهة في الإبادات، وحتما الورقة المذهبية والإرهاب المتبادل، وزراعة فقدان الثقة، ستكون طريقا للسياسة الإيرانية التي كلفت العراقيين مستقبلهم بعد دم أبنائهم. العراق الآن جسدٌ تملكته الأرواح الشريرة، والمشعوذون يذهبون بعيدا في نشر عدوى إدمان الرعب. في النهاية زواج عتريس باطل، والخدم سيهربون من سُلّم الخدم، وتنطبق عليهم قاعدة أن الخدم يسرقون.. هذه المرة يجب استنفار العزيمة الاحتياطية للمغلوبين على أمرهم..

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر