الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

صحافة إلكترونية مجانية ومسروقة

الصحافة الالكترونية المجانية التي تجهز على جهود الآخرين جهارا نهارا لا يردعها رادع هي صحافة هجينة غريبة تتفاقم مثل ظاهرة شاذة تتضاءل فيها أخلاقيات المهنة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/05/19، العدد: 9922، ص(18)]

ملفت للنظر ما يقوم به الصحافي من مجهود يومي يستنفد جزءا مهما من حياته وصحته ووقته وبعد ذلك يجد أن كل ما قدمه كان مجهودا مجانيا برسم الجميع ولا حقوق له فيه.

تتكرر ظاهرة استغلال عمل الصحافة والصحافيين في العالم العربي خاصة من خلال إعادة نشر تقاريرهم ومقالاتهم وتغطياتهم غفلا عن أية حقوق لهم ولا موافقة منهم. طريقة القص واللصق صارت علامة فارقة وفاقعة لصحافة إلكترونية تسرق جهود الآخرين جهارا نهارا فتعيد نشر المقالات دون موافقة أو علم أصحابها ومالكي حقوقها.

القص أو اللصق هو نوع من الصحافة الإلكترونية العربية التي قل نظيرها في استسهال عملية الانتحال والسرقة، بل إنني شخصيا وجدت مقالات منشورة لي تمت سرقتها وإعادة نشرها بعد إزالة اسمي عنها ووضع اسم شخص آخر وقد سمعنا قصصا مشابهة كثيرة ومتكررة بشكل ملفت للنظر.

واقع الحال أنها موجة من المواقع الالكترونية قليلة التكلفة يديرها شخص هاو واحد يدعي أن لديه طاقم تحرير ومجلس إدارة يبدأ منذ الصباح الباكر مهمته في القص واللصق مجهزا على مقالات شقي أصحابها في إنتاجها وربما دفع مالكو الحقوق الأصليون مالا لنشرها بينما صاحب نظرية القص واللصق لا يكلفه ذلك شيئا فضلا عن أنه سيكون قد أمن العقاب والملاحقة القانونية.

وبالرغم من تفاقم الظاهرة، مازالت الجهات المعنية بالأمر في العالم العربي تنظر إلى الصحافة الالكترونية على أنها نوع من النشاط الهامشي الذي لا يستدعي تدخلا تشريعيا وقانونيا وتنظيميا. الحالة الوحيدة التي شهدنا أن النظام العربي يتدخل فيها في صحافة الانترنت هي ما يمس النظام نفسه من انتقادات أو حقائق مسربة أو في حالات التصدي لمواقع الإرهابيين، وأما ماعدا ذلك فالسرقة مباحة وكأن النظام العربي يوجه للسارق رسالة مفادها أن لا تقترب وتسرق مني لكني لن أحاسبك إذا ما سرقت من جاري أو من غيري.

لاشك أننا أمام إشكالية مركبة تتطلب أولا وعيا ونضجا كافيين لفحوى صحافة الانترنت وخصائصها لأنها صارت علما يدرّس في الجامعات في مجالات التحرير والنشر والإنتاج وحقوق الملكية وهذه كلها غائبة تماما عن صحافة الانترنت العربية، فحتى معاهد وكليات الصحافة في بلداننا مازالت أغلبها تعلّم طلابها أصول الصحافة الورقية تحديدا ومنشغلة في تتبع تاريخها وجغرافيتها وكتّابها وأساليبها، متجاهلة حقيقة تراجع الصحافة الورقية تسويقا وإنتاجا لأسباب شتى في مقابل اتساع ظاهرة صحافة الانترنت في طول العالم العربي وعرضه.

الصحافة الالكترونية المجانية التي تجهز على جهود الآخرين جهارا نهارا لا يردعها رادع هي صحافة هجينة غريبة تتفاقم مثل ظاهرة شاذة تتضاءل فيها أخلاقيات المهنة من خلال إخفاء المصدر وحقوق المؤلف والملكية وهو أضعف الإيمان في مقابل تجاهل متواصل لإقرار تشريعات وقوانين تنظم هذا النوع من الصحافة التي لها أهميتها البالغة، فهي ومن دون أدنى شك صحافة الغد التداولية التي ينبغي رسم خططها واستراتيجياتها وعدم تركها لاجتهادات الطارئين على الصحافة من الذين استمرأوا طريقة القص واللصق فأنتجوا لنا نتاجا صحافيا مجانيا نعم ولكنه مسروق برمته أيضا.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر