الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

القليل القاتل

الحكام مساءلون عن الجوع والمرض وسوء الخدمات ويروق لهم أن ينصرف عنهم الناس إلى ما هو خارج اختصاصهم: إلى كمبوديا والاتحاد السوفيتي.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/05/19، العدد: 9922، ص(24)]

القليل من المعرفة خطِر. هذه حكمة قديمة لا يعرف قائلها فقد ضاع في أرشيف التاريخ. قلة المعرفة متفشية في مجتمعاتنا وتحرك الألسنة والعقول والمخيلات. الناس تعرف أشياء كثيرة من الصحف لكنها تعلمت القراءة ولم تتمكن من اكتساب المعرفة.

رأيت في جولاتي بالوطن العربي رجالا في المقاهي الشعبية يتخاصمون ويتجادلون حول جرائم الخمير الحمر في كامبوديا بينما شوارعهم طافحة بمياه المجاري ومستشفياتهم لا تكاد تعمل. ينهكهم الجوع والمرض وسوء المواصلات ويناقشون بضراوة قمّة ريكفيك بين ريجن وغورباتشوف وانهيار الاتحاد السوفيتي.

الحكام مساءلون عن الجوع والمرض وسوء الخدمات ويروق لهم أن ينصرف عنهم الناس إلى ما هو خارج اختصاصهم: إلى كمبوديا والاتحاد السوفيتي. يعرفون أن نصف العارف متحمس ومنشغل بكل شيء سوى مشاكله الآنية والقريبة. ولعل الحكام يشجّعون هذا.

كان المصرف المركزي المصري قد قرر تعويم الجنيه قبل عشرة أعوام. ركبت تاكسي وسألت السائق عن الحال مع تعويم الجنيه. كانت رائحة الرجل تشي بأنه مدخن، ومهنته تعني اعتماد ميزانيته الخاصة على سعر الوقود، وأسعار السجائر والوقود يتأثران بسعر صرف الجنيه.

لكنه قارئ للصحف القومية رخيصة الثمن في ساعات انتظار الزبائن خارج الفندق. يعني أنه نموذج طيب لما نحن بصدده. قال بثقة إن السجائر ارتفع سعرها وكذلك البنزين وعبّر عن ارتياحه لقرار المصرف المركزي وقال بثقة وحماسة “لازم تعويم الجنيه، أمال يسيبوه يغرق؟”.

القراءة عرفته على فعل تعويم العملة وتركته يخمّن ويتوهم المعنى والتطبيق. ولاحظوا أن الجهل هذا مع معرفة مبتسرة يثير حماسا جامحا. يقرأون معلومات تاريخية لكن الجهل يحذف البعد الزمني ويمنح الأحداث صفة الطوارئ. يتصرف هؤلاء وكأن نيرون سيحرق روما بعد ساعتين من الآن وعلينا منعه.

ثم انظروا إلى الاختصام والاشتباك حول من يجب أن يكون الخليفة الأول بعد الرسول: أبو بكر (رض) أم علي (رض)، وكأننا سنختار الخليفة غدا ونحن الآن في مرحلة الترويج لمرشحنا. حمّى ليلة القرار هذا بعد ألف وأربعمئة عام على الحدث تؤذينا حقا وتوقع قتلى حقيقيين في القرن الواحد والعشرين.

لنترك التاريخ لأن الحديث فيه متفجّر بعقلية المعرفة المبتورة. سائق تاكسي آخر ممن يعرفون القراءة حكى لي أنهم اكتشفوا أنبوبا لسرقة النفط الخام من مصر وإيصاله إلى السعودية. سمع من أصحابه عن أن الكل متستر على وجود الأنبوب الذي كشفته الصدفة في قعر البحر الأحمر. وتعرفون أن مد الأنابيب في قعر البحر عملية هندسية كبرى لا يمكن أن تكون أخفى من السر. سألته عن سعة الأنبوب فقال إنه يحمل مئة برميل يوميا وهي هدف المشروع الهندسي العملاق.

يتصور أن المئة برميل شيء خطير قياسا بما يملأ به خزان سيارته فيتوهّم أنها كمية تستحق السرقة عبر مشاريع هندسية عملاقة سرية. يعرف أن النفط ينقل عبر أنابيب ولا يعرف اقتصاد النفط.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر