الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

فضيحة مروحة الرماد

أثبتت واقعة الرمادي أن الفقر في الطاقات ليس مقتصرا على نوع المعلومات، إنما في إخفاق القيادات العليا في تحليل الإشارات والمؤشرات وإصدار الأوامر.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/05/21، العدد: 9924، ص(8)]

لا أخفي إعجابي، في بداية تعلم القراءة، بقصص الجاسوسية ومغامرات وأجواء وغموض وأساليب تثير الحماسة للمتابعة وترقب مصير شخوصها منذ البداية، كنت أتلمس تفسيرات أخرى، تطورت إلى اعتبار الأكثرية منهم مواطنين أبطالا خدموا بلدانهم وحركوا مسارات التاريخ لصالح انتصار شعوبهم في الحروب والمعارك.

هؤلاء تلطخت سمعتهم بتجنيد الخونة من أعدائهم الساعين بالمعلومات وأحيانا بالتأييد وتزييف الحقائق لأهداف منها المال أو السلطة أو الانتقام.

تغيرت الجاسوسية بالتأكيد، لكن بقيت الدبلوماسية والسفارات أخطر بؤر الاستقطاب والجذب، وتكاد، دون أن أجزم، لا توجد سفارة في العالم تخلو من نوع ما من التجسس، إما بالخرق ضدها وإما بسعيها للحصول على معلومة مطلوبة أو هدف ما.

التاريخ حافل بالنجاحات والإخفاقات، منها ما يصل إلى القطيعة والفضيحة وطرد الدبلوماسيين حتى إلى مستوى السفراء، وربما تشتعل بعدها حروب الإعلام أو الجيوش.

منها قصص حب، ومخادع بوح الأسرار، والانتحار إنقاذا للشرف، أو للخلاص من العار والمحاكمات والحساب، ومن بين كل القراءات القديمة ظلت تلك السيدة الارستقراطية وهي تستقل ذاكرتي وعربة تجرها جياد، تعبر الحدود المتتالية، لإيصال رسالة تقلب موازين دول، كان التفتيش دقيقا من نقطة إلى أخرى، حصل الشك ومع حبس الأنفاس أوصلت الرسالة التي حملتها طوال الوقت في يدها ظاهرة للعيان ولم تخفها، لكنها أبعد عن الشك أو فطنة المفتشين، كانت الرسالة مروحة يدوية مطوية.

لبلادنا العربية قصص وروايات عن الجواسيس، وفي العراق تحديدا، كان لإعدام عدد منهم، وهم مواطنون عراقيون اتهموا بالعمالة لدولة أجنبية أعدموا وعلقت جثتهم في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد.

القيادة العراقية حينها، أرادت إعطاء الدرس بقوة، أن لا مكان في سياستها لكل من يتعرض للسيادة والأمن الوطني، ولحادثة المواطن البريطاني “بازوفت” وهو من أصول إيرانية، أعدم لاتهامه بالجاسوسية في ظروف بالغة التعقيد، تعددت الدعوات من شخصيات عالمية لإطلاق سراحه، خاصة رسالة “مارغريت تاتشر” كرجاء لإطلاق سراحه إنسانيا لأنه من حملة الجنسية البريطانية، كان الرد حاسما “أرسلتهِ حيا نعيده ميتا”.

الأمثلة تتوارد والغاية تنحصر وتختصر في فكرة إيصال المعلومات وكيفية الحصول عليها.

التقدم في الاتصالات، وضع العالم في خزانة المعلوماتية العامة، لذا سعت الدول إلى بناء منظوماتها الخاصة ووفرت أرقى العقول لإحكام السيطرة على شفراتها، ومع ذلك تحصل خروقات متفاوتة، لنصل معكم إلى أن كل النظريات والدراسات في عالم فن الحرب وقواعده، قد تكون منتهية الصلاحية في التحليل لوقائع الصراعات على الأرض، الحديث هنا عن احتلال الرمادي، ما قبله وما بعده، لأننا نختار من المعلومات ما يرضينا ونرفض ولا نصغي لما يختلف منها مع توجهاتنا.

ما أكتبه لا يتعلق بشخص رئيس وزراء العراق، لكنه عن مجموعة المستشارين والحاشية والقادة الميدانيين والسياسيين الفاعلين. قبل أيام من احتلال الرمادي واقتحام مجلس محافظتها يتحدث رئيس الوزراء عن دور الإشاعة في إعلام ما يعرف بداعش ويقدم صورة مغايرة تماما لما يجري من تطورات في فصول مناوشات عسكرية طويلة، تجاوزت السنة ونصف السنة عمليا.

بعد يومين فقط كانت “الإشاعة والمعلومات المضلِلة والحرب النفسية” قراءات من ورق المدارس العسكرية التي يتعلم فيها الطلبة كيفية إدارة الحروب النظامية وخطط إضعاف قدرات العدو، أما أسلوب الرعب والأقتحام بالسيارات المفخخة المتعددة والملغمة بمئات الكيلوغرامات من المتفجرات واستخدام الأسلوب الانتحاري، فلا شك أبدا أن ذلك يخلق حالة صادمة من الذعر وتشتيت الانتباه إلى خطط المواجهة المطلوبة، ويؤدي إلى تراجع المعنويات والهروب غير المنظم وعدم الصمود في مواقع الصراع.

أثبتت واقعة الرمادي، أن الفقر في الطاقات ليس مقتصرا على نوع المعلومات، إنما في إخفاق القيادات العليا في تحليل الإشارات والمؤشرات، وإصدار الأوامر، واختصار الزمن في تجهيز القطعات وتسليحها، وأخذ وترصين خطوط الصد وموجات الهجوم المتتالي ومتنوع التشكيلات، ونوعية التسليح لأهل المدن التي تعرضت إلى أقسى حالات الفزع وتمزقت آخر دفاعاتها عن بقايا أمن وعيش المدنيين.

إن نسبة 5 بالمئة من المعدات العسكرية التي فقدها الجيش في الموصل أمام إشاعة رعب حقيقية، ربما لو جهزت بها الفصائل المهيأة للقتال، لكانت قادرة على صد أو تأخير حسم المعركة لغاية وصول الإمدادات من المركز، في حال خلُصَت النيات.

الشك وعدم الثقة والمماطلة في التسليح وهزال الدولة وتبعية قراراتها وتكوينها الطائفي وحل الجيش الوطني بخصائص تجربته الثرية وقادته المتعلمين والمزودين بأرقى العلوم العسكرية، وتبادل الاتهامات والفساد وعدم الاستجابة للمطالب المشروعة وإهمال اللاجئين وتبعات الاحتلال الأميركي وأهداف المشاريع الدولية وعُقد الجار الايراني، أدى كل ذلك إلى وقوع الكارثة.

أي كلام عن تحرير الموصل قريبا، صار وهما مع احتلال الرمادي وقدوم فصل الصيف بقسوة حرارته في العراق.

ننتهي، إلى أن الجواسيس الذين يعملون ويموتون في سبيل قضايا وطنهم يمثلون حب الوطن وتحمل أعبائه ولو على حساب حياتهم، لكن من جاؤوا بالمحتل وعملوا جواسيس في العلن لمخططاته أو كانوا يحاربون مع عدو وطنهم بالسلاح ويستهدفون جيش بلادهم، هل نعطيهم الثقة بالقتال على حدود مدينة بلون الرماد.. ثمة غبار وكثبان رملية متحركة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر