الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الدراجة الهوائية وحفيدات بلقيس

هاهي اليوم سلالة بلقيس تثبت أنه ما زال هناك بريق أمل يلوح في الأفق، فربما يستطعن إعادة البسمة لوجوه اليمنيين بعد أن افتقدوها على أيدي الذكور.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/05/22، العدد: 9925، ص(21)]

عندما يكون الرجال غير موجودين أو في موقع المتفرجين أو لا حول لهم ولا قوة -ومثل هذه الاستثناءات كثيرة في الأسر العربية- فإن وجود النساء فيها ليس كعدمه، فهن عضدها ووتدها وعمودها الفقري، حتى في المجتمعات الذكورية التي ما زالت إلى اليوم تنظر إلى المرأة على أنها قاصر، وتكبلها بحزمة من القيود والعراقيل من أجل الحط من عزيمتها وثنيها عن دورها في مجتمعها.

وكم يوجد في اليمن وفي كل مجتمع عربي من نساء مهمشات وبعيدات كل البعد عن دائرة الأضواء الإعلامية، ولكن أفعالهن وأقوالهن وتضحياتهن من أجل عائلاتهن ومجتمعاتهن تكشف حجم أدوارهن الريادية غير المعترف بها اجتماعيا.

ولأن منسوب الوعي المتدني في المجتمع اليمني لا يختلف كثيرا عن واقع الحال في بعض مجتمعات دول الجوار، فقد مثل ركوب مجموعة من النساء اليمنيات على الدراجات الهوائية طامة كبرى، وتحدث عنه القاصي والداني في المواقع الاجتماعية، فمجده كثيرون وتخاصم بشأنه آخرون، وربما فتحت حوله أقواس كثيرة وأصبح محل جدل وجدال على أرض الواقع، وكأنه حادثة استثنائية أو خارجة عن المألوف.

ويبدو أنها كذلك، فركوب هؤلاء النسوة على الدراجات، وإن لم يكن سابقة بالمقارنة مع بقية الدول التي يتكرر فيها هذا المشهد يوميا، فقد مثل لحظة تاريخية فارقة بالنسبة للمرأة اليمنية، ورجة قوية لعقول قوى الردة، وصدمة لأولئك الذين لا تسر أنظارهم رؤية مثل هذه المشاهد، ولكنهم قد يحتفلون ويبتهجون بأوهام أفكارهم الموغلة في التعصب والمتوقفة في الزمان والمكان، والتي قادت أغلب الشعوب إلى حتفها، وهدمت حضارات كانت مشعة على العالم.

وعلى الرغم من أن فعل هؤلاء النسوة اللاتي اضطررن بسبب انعدام الوقود في بلادهن إلى ترك سياراتهن وركوب الدراجات الهوائية، للذهاب إلى مقرات أعمالهن، لا يرقى إلى درجة التمجيد أو التحقير، لأنه أمر طبيعي وحق شرعي لكل امرأة، فإن هناك من يدعي أنه أمر مخالف لتعاليم الدين الإسلامي بدعوى أن الشرع قد نهى المسلمة عن ركوب السرج، وسرج الدراجة مشابه لسرج الحصان، وحدث ولا حرج عن أنواع الفتاوى الأخرى والتخاريف التي تريد أن تجعل منه فعلا مستقبحا ومخلا بالأعراف والعادات والتقاليد، في حين أنه فعل مشرف ينم عن رغبة هؤلاء النساء في العمل من أجل إعالة أسرهن وليس البقاء في المنزل وندب الحظ كما يفعل أغلب من يتباهون بقوامتهم المزعومة.

إنه فعل ينم عن قوة عزيمة المرأة اليمنية التي ترفض أن تبقى خلف الركب الذكوري، وتسعى جاهدة لأن تغير الواقع المأساوي لبلادها وتستعيد أمجاد وطنها، وهذا ليس غريبا على حفيدات بلقيس التي لم تكن امرأة عادية، أو ملكة حكمت اليمن في زمن من الأزمان الغابرة، وأكبر دليل على عظمتها ورود اسمها في القرآن الكريم.

وهاهي اليوم سلالة بلقيس تثبت أنه ما زال هناك بريق أمل يلوح في الأفق، فربما يستطعن إعادة البسمة لوجوه اليمنيين بعد أن افتقدوها على أيدي الذكور.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر