الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

يرحاي التدمري وبيت الأبدية

السكن في 'بيت الأبدية'، الاسم الذي أطلقه التدمريون على قبورهم، بيت الأبدية الذي ظن المستبد أنه يعيش فيه فردا متحكما بالموت والحياة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/05/22، العدد: 9925، ص(24)]

“حُطّي مداسو تحت راسو، بلكي توالي الليل بوقْعِدْ”، قطعة شعرية ندبية باللهجة التدمرية المعاصرة تقال بنغمة بكائية، كنت أسخر منها، وأعيد ترديدها أمام صديقي الإعلامي التدمري محمد العبدالله، الذي عمل بشجاعة مراسلا حربيا في البصرة إبان الغزو الأميركي الديمقراطي للعراق، وفي تدمر، التي استولت عليها داعش مؤخرا من أيدي نظام الأسد الذي أخذ فرصته في نهب كنوزها الأثرية لنصف قرن، كانت النسوة، إذا ما مات أحد التدمريين، يجتمعن حول أرملته الحزينة، ويلقين المرثيات، وكان مما يقلنه، تلك التوصية بوضع حذاء الفقيد تحت رأسه، وكنت أسأل محمد العبدالله “هل سيقعد زوجها فعلا ولن يكون همّه لحظتها سوى البحث عن فردتيه؟” ليردّ عليّ مستفزا “إنك تسخر من عادات شعبية عمرها آلاف السنين ورثناها عن التدمريين القدامى الذين آمنو بالحياة بعد الموت مباشرة مثل الفراعنة، فظنوا أن الميت يمكن أن يستيقظ وحرصوا حتى على ألا يمشي حافيا في قبره، من شدة أناقتهم في ذلك الزمان”.

وحين حاورت المؤرخ الكبير محمد محفل، أخذته معي حينها إلى قبر “يرحاي بن بربكي التدمري” ونزلنا الدرجات المهيبة إلى ما تحت الأرض، ونحن نسمع أصوات خطانا، ودخلنا مع فريق التصوير، فانقبضت أنفاس الجميع، حين أحاطت بنا جدران القبر المحفور بالتماثيل والنواويس الحجرية.

سألت المؤرخ حينها عن العيش في الماضي، والانفصال عن الحاضر، والسكن في “بيت الأبدية”، الاسم الذي أطلقه التدمريون على قبورهم، بيت الأبدية الذي ظن المستبد أنه يعيش فيه فردا متحكما بالموت والحياة، وظن المواطن البسيط أنه قادر على العيش فيه، مكتفيا بنصيبه من الدنيا، وظن المثقف أنه يمكنه العيش فيه، قابلا بما يفتّ له السلطان في صحن الحرية، بيت الأبدية الذي يتخيل أقوياء العالم أن بوسعهم ترك أهل الشرق يخوضون فيه في بحور دمائهم كل يوم وليلة، إذ بماذا تختلف داعش اليوم عمن سبقها حين حوّل رمزية تدمر إلى سجن رهيب؟ أو روما التي اجتاحت تدمر ووضعت ملكتها زنوبيا في قفص يجوب الشوارع حتى آثرت الانتحار بالسم على الإهانة، بعد أن امتدت مملكتها لتشمل بلاد الشام ومصر وتركيا.

كنت أعرف أن عادة “المداس″ عادة عريقة، ورثها أهلنا في “بالميرا” التي تركها العالم المتمدن لتسقط بيد الناهبين من كل شكل ولون، لكني كنت أسخر من أننا لم نرث من تدمر إلا تلك العادات مرفّهة الخيال، ولم نرث معها شيئا من معمار الإنسان والحجارة والمدنية التي مثلتها حاضرة عربية فائقة في ذلك العصر في قلب بادية الشام المنهوبة بلا رحمة، فمرة سألت، واحدا ممن أعرف علاقتهم الوثيقة بالمافيا العالمية “هل صحيح ما يقال إنك هرّبت آثارا من تدمر شكلّت ثروتك في ما بعد؟”

فقال الرجل ببراءة “لا أبدا، مجرّد إشاعات، لكن المومياء التدمرية تعتبر الأغلى في السوق السوداء العالمية، لأن طريقة التحنيط التدمرية ما تزال لغزا مثيرا أمام العلماء، لذلك فإن المخابر الكبرى في العالم تشتريها منا بمبالغ هائلة”! وأخذ الرجل يشرح لي طرق البيع والشراء والشحن والاستلام والتسليم، واليوم أتأكد حقا أن التحنيط التدمري السوري العراقي ما يزال الأغلى ثمنا في العالم المتمدن في القرن الواحد والعشرين، تحنيط الأحياء لا الأموات.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر