السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

بداية ونهاية فيلم عراقي

كل مواطن في مهازل الصراع الدموي تتملكه مفارقة الدولة الراعية، التي ساهمت في تفريق شعبها وأوقعته في مصيدة المهاترات السياسية، مستغلة الشحن الطائفي والمناطقي.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/05/28، العدد: 9931، ص(8)]

العراق مرّ في تاريخه الحديث بعد تأسيس الدولة العراقية بمراحل عنف متدرجة، تفاقمت بعد ثورة تموز 1958 مع النظام الجمهوري، وصورة اليوم الأول عندما تم الاستهانة والتمثيل بقتلى من طالتهم حالة الانفعال الجمعي المندرجة تحت تسميات ومصطلحات شائعة اختلفت حولها الآراء.

الطوارئ، قد تكون وصفا غير دقيق لواقـع الاستثناء في العراق، رغم أن المصطلح يحتمل تراتبية التفضيل، ربما إعلان الطوارئ القصوى يكون قريبا، لكن الأقرب هو إعلان الاستنفار لوقوع الكارثة.

تتبادر إلى أذهاننا مخلفات الأعاصير والزلازل وأعداد الضحايا، بالقياس والإحصاء يكون العراق أكثر مأساوية لخسائره الكبيرة المروّعة في أعداد القتلى والمتضررين الواجب إغاثتهم، ولو بتوفير الحد الأدنى من وسائل ضمان البقاء على قيد الحياة.

الساسة في تصرفاتهم السلطوية، يتعسفون في سحب توجهاتهم الفكرية وزجها في الحياة اليومية، وهم بذلك يسيئون إلى السلام المجتمعي، ويساهمون في خلق المناخات المناسبة للانقسام، والكثيرون تمترسوا خلف إرضاء ناخبيهم، موغلين في الإساءة للآخر، وهنا المفصل النوعي في الفكر الديمقراطي وصندوق الانتخابات واشتراطات من يسمح لهم بالمشاركة في الإدلاء بأصواتهم، حيث لا شرط إلا بلوغ السن القانونية.

الثورة الفرنسية وشعارها (حرية، إخاء، مساواة) ساهمت في تحقيق العدالة وعدم التفرقة أمام القانون والتمتع بالحرية كحق يتكافأ الشعب إنسانيا في ممارساتها بتنافس مشروع لتطوير القدرات وتحصيل المعرفة والانتماء والاختيار الحر لنمط المعتقد والفكر السياسي.

الجدل يتكثف في المثال العراقي لديمقراطية لم تقدم مثالا يقتدى به، إنما سيقت الأصوات لأكثر من دورة، لأسباب لا تتعلق بالحرية أو بالإخاء أو بالمساواة، فالحرية تم سلبها من قبل زعماء ساسة الطوائف والانقسامات المذهبية والحزبية، وتمادى بعض المرشحين والعاملين في حملاتهم الانتخابية إلى تهديد الناخبين البسطاء بوعيد جهنّم إذا ما خالفوا أنفسهم ورشحوا شخصا آخر لا يحظى برضا رجل الدين وقائمته السياسية، الإخاء أيضا داهمته الأحداث وردود الأفعال والعصاب المتنامي في استهداف شركاء الوطن.

المفارقة في الحالة العراقية، سقوط الهدف الثالث، أي المساواة، الساسة العراقيون تسببوا في ثلم مبدأ مهم من مبادئ الديمقراطية وتجاربها في الحياة السياسية وتاريخها، لأنهم قدموا نموذجا سيئا في تطويع إرادة الفرد والمجموعات البشرية لجهة عدم توفير ناخبين حقيقيين يدعمون اختيار المرشح المناسب لغياب القدرة على الاختيار الصحيح.

النتيجة، كانت صراعات سياسية نزولا إلى الطائفية والعنف وتجاهل حقوق الآخر بمناسيب أصداؤها اليوم في التخندقات والانقسامات في الآراء والمواقف والمصائب المتتالية، وآخرها الرمادي.

المعركة على مشارف الرمادي، هل ستكون هجوما أم دفاعا عن خطوط التماس الحالية؟ من قراءتي الشخصية تحرير الرمادي لن يكون إلا بأداء عسكري حقيقي محترف ويبدو أنه غائب الآن.

ما يدهشني أننا عدنا إلى لغة “الفزعة العشائرية” وتطبيقها على القطعات العسكرية، ربما كان الأمر مقنعا بعض الشيء قبل احتلال الموصل، وهدايا الأسلحة المتقدمة التي تم الاستحواذ عليها وزادت وتيرتها باحتلال الرمادي.

المطلوب الآن، إعلان العراق بلد منكوب، لأنه مستباح وحياة مواطنيه في خطر داهم ويتعرضون للحط من كرامتهم والمساس بحياتهم، ربما لا تفعلها الدولة لأن الأمر مناط ببقاء السلطة المركزية وتماسك موقفها الدولي، لكن ذلك واقع حال تفرضه الأمانة والمسؤولية التاريخية لنواب المناطق الشاسعة المنكوبة بحروب الإبادة الجماعية، على الرغم من سلبيته الظاهرة في ظروف مستقرة.

القرارات الاعتيادية عن إعفاء وتعيين آخرين من الضباط أو القادة، وتشكيل لجان إلى آخر الروتين تظل ضمن حفظ ماء الوجه للقادة السياسيين الذين يمثلون كتلهم الطائفية.

كل مواطن في مهازل الصراع الدموي تتملكه مفارقة الدولة الراعية، التي ساهمت في تفريق شعبها وأوقعته في مصيدة المهاترات السياسية، مستغِلة المذاهب والشحن الطائفي والمناطقي لزرع واقع عراقي جديد يتبنى الديمقراطية كخيار لبناء نموذج مغاير، النتيجة إخفاق عسكري وانهيار أمني وكوارث إنسانية.

المعادلة تتوقف على عامل الزمن والإحراج في التسليح المطلوب للمواجهة، وكل تأخير يعني قفزات متباينة ومزيد من التمدد والخسائر البشرية والنفسية وفقدان الثقة بالقيادات العسكرية والسياسية التي ينطبق عليها المثل المصري “اسمع كلامك أتعجب، وأشوف أمورك استعجب”.

الحقائق، بعضها راسخ، مـن آلاف السنين، ثم تتكشف عن حقائق بديلة لا يمكن تجاهلها أو إنكارها، يرفضها بعضهم ويقبلها آخرون، لكنها تثبت واقعا يجب التعامل معه بجدية، تتطلب إعادة النظر في كل ما سبق، فماذا لو كانت أكاذيب من سيناريوهات وأجندات قصيرة النظر ومكشوفة لكل الأطراف.

النهاية مزروعة في البدايات وبعض التجارب لا يمكنها أن تنمو لأنها تفتقد لأسباب الحياة. هل نشهد نبتة حكم طارئة؟ طارئة لكن، غير مصابة بآفات تجربة سنوات ما بعد الاحتلال.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر