الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

جار ولا يستجار

أود أن أتساءل عن نخوة أهل بغداد وأنا أرى اليوم أبواب بغداد تقفل في وجه نازحي الأنبار، والحكومة تتعلل بعذر أقبح من ذنب، وهو عجزها عن تأمين مساكن مناسبة للعوائل جراء ميزانيتها المهلهلة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/05/29، العدد: 9932، ص(21)]

يبدو أن الزمن قد عفا على مقولة “الجار قبل الدار” التي عمل بها أجدادنا وطالما رددها على مسامعنا آباؤنا، فالأجيال الحديثة خاصة في المجتمعات الحضرية لم تعد تعير مسألة الجيرة أي اهتمام.

الجيران اليوم بالنسبة للكثيرين منا شخصيات نكرة، قد نتقاسم معهم الحي وربما نتشارك معهم جدران المنازل التي نقطنها، ولكننا أحيانا نجهل أسماءهم وحتى ملامح وجوههم.

وهناك من يفضل عدم التعرف على جيرانه أو تبادل أطراف الحديث معهم أو حتى إلقاء التحية عليهم، كما لا تهمه أفراحهم ولا أتراحهم لا من بعيد ولا من قريب، ولكل منا تعلاته الشخصية التي يحاول من خلالها أن يبرر أسباب قطيعته مع جيرانه. وبسبب هذا الانقطاع في التواصل بين الجيران توفي رجل في بلدتي بذبحة صدرية، ولم يتفطن إلى غيابه أحد من أبناء حيه، لأن المسكين كان “مقطوعا من شجرة”.

وعلى الرغم من أنه كان يعمل سائق أجرة، ويخرج صباحا ولا يعود إلا مساء، ونادرا ما كان يأخذ يوم عطلة، وظلت سيارته رابضة أمام منزله أسبوعا كاملا، لكن لا أحد من الجيران أعار الأمر اهتماما أو سأل عن سبب ذلك، إلى أن ضايقتهم رائحة جثته المتعفنة المنبعثة من منزله، عندها سارع أحدهم لطرق باب داره لكن لا حياة لمن تنادي، فاستدعى الشرطة التي تكفلت بكسر الباب فوجدوه جثة هامدة.

ومثل هذه الحوادث وغيرها، يمكن أن تتكرر في أماكن مختلفة ويتعرض لها أشخاص عديدون، وذلك جراء الشرخ الكبير الذي أصاب العلاقات الاجتماعية بين الأفراد والمجموعات، وانقراض الناس الطيبين الذين كانوا لا يفكرون في شراء أي عقار، مهما غلا ثمنه أو بخس قبل أن يسألوا عن الجار.

فهل ولى زمن النخوة إلى غير رجعة، وأصبحت قلوبنا بلا رحمة؟ ألسنا من نسل أجدادنا الأولين الذين كانوا على استعداد دائم لمد يد العون للبعيد والقريب دون حسابات، ودون نوايا مبيتة أو شروط مسبقة.

لماذا أصبح لكل شيء مقابل وبليت المشاعر، فلم يعد الجار يجير جاره ولا يسأل عن أحواله ولا يهتم لمصابه، إلا في أحيان نادرة، وربما في أغلبها بدافع الغيرة أو لغرض التشفي.

لماذا لا نستوعب الدرس مما فعله ويفعله تنظيم داعش الإرهابي في العراقيين والسوريين والليبيين، وفي كل البلدان التي أصبح له موطئ قدم فيها.

الحقيقة المؤسفة التي تتجاهلها الشعوب أن الإرهاب لا يفرخ في الأرض العامرة بالمحبة، ولا يمكن أن يتغول إلا في المجتمعات التي تباعدت فيها وجهات النظر وانقطعت منها الرحمة والمودة.

وأود أن أتساءل عن نخوة أهل بغداد وأنا أرى اليوم أبواب بغداد تقفل في وجه نازحي الأنبار، والحكومة تتعلل بعذر أقبح من ذنب، وهو عجزها عن تأمين مساكن مناسبة للعوائل جراء ميزانيتها المهلهلة.

وهنا لا اتهم أهل بغداد بالجحود أو بقلة الكرم والطيبة، ولكني فقط أردت أن أشير إلى أن سياسة فرق تسد التي مارسها الاستعمار الأميركي في العراق وشيعة إيران والحكومات المتعاقبة عليه، والتي يمارسها تنظيم داعش اليوم قد أتت أكلها، وحقق من خلالها الإرهابيون ما يطمحون إليه.

ويبدو أن حليفهم الأكبر في ذلك ليس السلاح الفتاك الذي يمتلكونه، ولا التفوق العددي لجنودهم، بل العنف الطائفي والكراهية المستفحلة بين أبناء الأرض الواحدة والأهواء والغايات المتباعدة التي أوصلتهم إلى ما هم فيه اليوم.

ومخاطر هكذا عنف قابلة للانتشار في كل دول الجوار، فلا يوجد مجتمع محصن بعد أن أصبح الدين والسياسة محور الصراع والتطاحن ولإقصاء الآخر والتنكيل به.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر