السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

الهندي وعباءة الإمام

مع ما يحصل في الشرق اليوم، أصبح الدين الذي قال عنه الله في القرآن 'اليوم أكملت لكم دينكم' بحاجة إلى إكمال من البغدادي والجولاني والخامنئي والسيستاني ونصر الله والأسد والحوثي.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/05/29، العدد: 9932، ص(24)]

يحكى أن فقيرا من بلاد السند والهند وصل ليلا إلى بغداد في قديم الزمان باحثا عن الرزق، فلم يجد مكانا يبيت فيه، فذهب إلى الجامع، وبات ليلته فيه، وحين أذن المؤذن للفجر، نهض وتوضأ ليصلي مع الناس، فاقتدى وكبّر وضم يديه إلى بطنه كالعادة، فرأى المصلين يرخون أيديهم، فأخذ ينظر يمينا ويسارا، فنكزه جاره، فارتجف مرتعدا وشعر بالحرج، وأخذ يقلدهم في إسبال اليدين، ومضت الأمور على خير، ثم انتقل خلال النهار إلى مكان آخر، وحين سمع أذان المغرب دخل إلى مسجد آخر، فأسبل يديه، وإذا بالرجل الواقف على يمينه ينكزه بكوعه، قفز الهندي من موضعه مرتجفا، بعد أن أيقظه الرجل من خشوعه، ونظر يمينا ويسارا، فرأى غير ما رآه في صلاة الفجر، فضم يديه إلى سرّته وقلّد بقية القوم.

ومع ما يحصل في الشرق اليوم، أصبح الدين الذي قال عنه الله في القرآن “اليوم أكملت لكم دينكم” بحاجة إلى إكمال من البغدادي والجولاني والخامنئي والسيستاني ونصر الله والأسد والحوثي، ولن يمر وقت طويل قبل أن يخرج لهؤلاء من يقول لهم: يكفي، فقد طفّف المكيال، وزاد الأمر عن حدّه، فهناك مليار وربع المليار من المسلمين، وهؤلاء لهم كلمتهم، ويحتاجون إلى العيش بسلام بلا طموحات المجانين والمرتزقة والدمويين.

ولم يكن هذا حالنا قبل المشروع الإيراني، الذي مزّق العرب بين مسلم سني وآخر شيعي، لأهداف عرقية متعصبة، لم يخفها الفرس يوما، شواهد حقدهم لا تعدّ ولا تحصى، ومما روى في هذا بديع الزمان الهمذاني، أنه كان عند الصاحب بن عباد ذات ليلة، فدخل عليه شاعر من الشعراء المسلمين الفرس، فأنشده قصيدة يفضّل فيها الفرس على العرب، قال فيها: “غَنينا بالطبولِ عن الطُلولِ وعن عنسٍ عذافرةٍ ذمولِ فلستُ بتاركٍ إيوانَ كسرى لتَوضحَ أو لحَوملَ فالدَّخولِ”، فقال الصاحب: أين أبو الفضل؟ فقال الهمذاني: أمرك، قال: أجب عن ثلاثتك، أدبك، ونسبك، ومذهبك. فأقبل الهمذاني على الفارسي وأنشد: “أراكَ على شفا خطرٍ مهول بما أودعتَ لفظكَ من فضولِ تُريد على مكارمنا دليلاً؟ متى احتاج النهار إلى دليلِ؟ متى قرع المنابرَ فارسيٌّ متى عُرف الأغرُّ من الحُجولِ؟” فقال الصاحب لمن في مجلسه: لا أرى أحدا يفضّل العجم على العرب إلا وفيه عرقٌ من المجوسية ينزع إليها.

أما صاحبنا الهندي فقد ذهب في يومه التالي إلى أكبر جامع في بغداد، وقرر أن يصلي هذه المرة خلف الإمام، حتى يرى كيف يصلي إمام بغداد، وحين كبّر الإمام وقرأ الفاتحة وانحنى للركوع ثم نهض، فدخلت عباءته في ثنايا مؤخرته، فرآه الرجل الهندي وأراد أن يعمل معروفا في عاصمة الخلافة، فمد يده بهدوء وسحب العباءة، فرآه الرجل الواقف إلى جواره، فنكزه وعضّ له على شفتيه ناهرا، ففهم الهندي المسكين، وفي الركعة الثانية، ركع الإمام ونهض، ولكن هذه المرة لم تدخل عباءته في ثنايا مؤخرته، فشعر الهندي بالتقصير، فمد يده وقام بإدخال الثوب، كما كان في الركعة الأولى خوفا من لوم جاره، ظنا منه أن هذه هي طقوس المسلمين في هذا الجامع. فنحن أين وجماعة إيوان كسرى أين؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر