الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

لا معالم في الطريق

الرصاصة التي تقتل بريئا لأنه مختلف في الدين أو المذهب، صنعها سيد قطب، وظلت صالحة للقتل، ثم مرت بفم مفتي الإخوان وعبرت ضباب هذه المرحلة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2013/10/05، العدد: 9341، ص(8)]

ربما تمر عشرات السنين قبل زوال ضباب ثلاثي، واكب عملية فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، يوم 14 أغسطس 2013. ضباب دخان بنادق قناصة فوق البنايات (لا نعرف هويات المجرمين)، ودخان قنابل مسيلة للدموع تطلقها قوات الشرطة، ودخان حرائق يشعلها الإخوان وأنصارهم في مخلفاتهم، وفقا لسياسة الأرض المحروقة.

ويجيد الإخوان استمراء الكذب، واستثمار الدخان وصناعته إذا لزم الأمر، وهو دائما يلزم؛ فحتى وقت قريب كانوا يصرّون على أن إطلاق الرصاص على جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، في أكتوبر 1954، تمثيلية توفر له غطاء أخلاقيا لاعتقال رموز الجماعة. ثم ظهر أبطال الجريمة في قناة الجزيرة قبل سنوات يروون الواقعة بشيء من الفخر!

لا أثق بالشرطة، ولا آبه لبياناتها. جهاز ضخم له حساباته ويتسلح بسلطة شبه مطلقة، وعقيدته أنه في خدمة السلطة لا الوطن، ولاؤه لأي نظام يبلغ «النهائي» في الانتخابات لا للشعب الذي من حقه أن يغير ساسته بشتى الطرق السلمية المناسبة.. الانتخابات، الاعتصامات، العصيان المدني.

ومنذ فض الاعتصام بدأت حروب الفيديو، وثبت غياب المهنية الإعلامية العربية أو انعدامها، فضلا عن فقدان الحس الآدمي لدى كثير من الإعلاميين، هناك استثمار الدماء للإرهاب، أو لتبرئة الذمة. هذه المقاطع تحتاج إلى تحليل نفسي لمن يبثها ويوظفها لمصلحة نظام أو تنظيم، وإلا كيف نضع مقطعا تدعو فيه الشرطة المعتصمين للخروج بأمان، وتعاملهم بالحسنى، وتوفر حافلات لنقلهم، إلى جوار مقاطع أخرى تخترق فيها رصاصة صدر امرأة منقبة، تصور عملية الفض بكاميرا صغيرة، أو سقوط شاب في الزحام صريعا.

ومن سوء حظ المؤرخين أن مقذوفات البنادق والقناصة القاتلة صغيرة جدا، عصيّة عن الرؤية في الضوء، فما بالك ونحن ضحايا ثلاث طبقات من الضباب؟

ستمر عشرات السنين، وفيها سينشأ جيل من العنصريين الكارهين للوطن والشعب، على فكرة «المظلومية»، الغذاء النفسي لأي تنظيم سري. وانطلاقا من وهم الظلم التاريخي، سيكون هؤلاء جاهزين للانتقام، ممن ظلمهم وممن لم يظلمهم أيضا بحجة أنه لم ينصرهم. ولدي دليل..

لم أكن أعلم يوم فض الاعتصام أن روح الانتقام وصلت إلى بيتي. كان ضحيته جاري الشهيد عميد الشرطة محمد جبر، مأمور مركز شرطة كرداسة القريبة من منطقة الأهرام، وقد قتله مجرمون يوم 14 أغسطس مع 17 من أفراد الشرطة. انتقم القتلة من 18 مصريا، ومثلوا بجثثهم، وهم يهتفون: «الله أكبر». كان رجلا خلوقا، خفيفا كطيف، نتقابل أحيانا في مدخل البناية أو المصعد، ونتبادل التحية.

بالقرب من قرية كرداسة التي وقعت فيها الجريمة، وقعت جريمة أخرى في قرية اسمها أبو مسلم، سحل فيها أربعة من الشيعة وقتلهم، (الأحد 23 يونيو 2013)، وسط هتاف «الله أكبر» أيضا، من سذج اعتبروا ذلك نصرا من الله وفتحا قريبا، بعد قيام محمد حسان السلفي النائم في حضن أي سلطة، من مبارك إلى مرسي، بالهجوم على الشيعة، واصفا إياهم بالأنجاس، في حضور محمد مرسي رئيس البلاد. لم تكن صيحة حسان أولى دعوات الكراهية، ففي أغسطس 2012 زف السلفي محمد حسين يعقوب البشري لأتباعه، حيث اجتمع مع مرسي الذي قال: «الشيعة أخطر على الإسلام من اليهود» الكلام مسجل صوت وصورة.

كتبت من قبل رافضا فض اعتصامي الإخوان المسلحين، ولو بدخان نيران تشتعل في عشب، وبعد حماقة فض الاعتصامين أعلنت براءتي من أي قطرة دم أريقت أو ستراق. ولا أرى أملا في أوهام ما يطلق عليه المصالحة، قبل إجراء عملية تأهيل نفسي وإنساني وحضاري لهؤلاء الكارهين للبشر وللمستقبل.

الرصاصة التي تقتل بريئا لأنه مختلف في الدين أو المذهب، صنعها سيد قطب، وظلت صالحة للقتل، ثم مرت بفم مفتي الإخوان عبدالرحمن البر وعبرت ضباب هذه المرحلة، حيث لا «معالم في الطريق»!

كاتب مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر