الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

5 يونيو: في حتمية سقوط 'دولة المخابرات'

الطريق إلى هزيمة 5 يونيو 1967 نثر على جانبيه ورد وأحلام وصخب لا يتيح لصانعه، أو المستمتع به، أن يسمع شيئا آخر، أو ينصت إلى زرقاء اليمامة وهي ترى مشاريع براكين واختراقات.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/06/02، العدد: 9936، ص(8)]

خلال 15 عاما تعرضت “الدولة” المصرية لانهيارين. ليلة 23 يوليو 1952 وقعت “الدولة” ثمرة غير ناضجة بأيدي ضباط شبان، قاموا بحركة حسنة النيّة لإصلاح في الجيش، ففوجئوا بتداعي الدولة نفسها، وتفتت أجزائها، ولولا خروج الجماهير بعد بضع ساعات ترحب بالعهد الجديد، لأعدم “الضباط الأحرار” شنقا في ميدان الإسماعيلية، “ميدان التحرير حاليا”. من يتأمل ذلك المشهد تصيبه دهشة، ولا بد أن يتساءل عن مصير دولة كانت موزعة بغير تساو بين ظلم الإقطاع، ورعب قوات الحرس الحديدي، ومقولات نظرية “مكتبية” أطلقها وصدقها الليبراليون الأوائل، في حين كان الشعب مهمّشا، يعاني الحفاء والفقر، مستوى من الفقر لا يمكن معه التفكير في التعليم.

صباح 5 يونيو 1967 انهارت “دولة المخابرات”، ما أغنى عنها استئساد الأذرع الأمنية ولا أحد. الجماهير التي انتشلتها الثورة من الحفاء والفقر، وحصدت بعض ثمار التنمية والعدالة الاجتماعية، هي من خرج لإثناء جمال عبدالناصر عن قرار التنحي. كانوا يصدقونه ولا يزالون، لانحيازه إليهم، ونسوا ما دون ذلك من قضايا أكثر أهمية؛ فلم يسألوا عبدالناصر عن السبب الذي أدى إلى الانهيار، الدكتاتورية والوصاية واعتبار الشعب أبناء قاصرين، لا شركاء أحرارا فرادى.

الطريق إلى 23 يوليو 1952، مرورا بهزيمة 1948، كان مرصوفا بقشرة ليبرالية، تحتها مشاريع براكين واختراقات. والطريق إلى هزيمة 5 يونيو 1967 نثر على جانبيه ورد وأحلام وصخب لا يتيح لصانعه، أو المستمتع به، أن يسمع شيئا آخر، أو ينصت إلى زرقاء اليمامة وهي ترى مشاريع براكين، واختراقات.

ما جعل الله لأي من أجهزة الأمن من قلبين أو طاقتين، حين كانت معنية بإحصاء الهمسات، والتلصّص على خلق الله في مصر، نسيت مهمتها في حماية أمن البلاد. ولدى العدو، كانت الأمور تجري على نحو آخر، يذكر جوردون توماس في كتابه “جواسيس جدعون: التاريخ السري للموساد” أنه “قبل حرب 1967 مباشرة، كان هناك إما عميل عربي أو أحد رجال الموساد في كل قاعدة جوية مصرية أو رئاسة للأركان، وعلى الأقل كان هناك ثلاثة منهم في رئاسة الأركان العليا بالقاهرة”. ويستعرض المؤلف تفاصيل دالة، إذ كان عملاء الموساد مشغولين بجمع أجزاء الصورة، كم تستغرق المسافة التي يقطعها الطيار من الثكنة إلى قاعة الطعام؟ ومن الثكنات إلى المنازل في زحام القاهرة “السيئ”؟ عادات الطيارين في تناول الطعام والشراب، “وميولهم الجنسية. وكان قسم الحرب النفسية الذي أنشئ حديثا يعكف على مدار ساعات اليوم على تجهيز ملفات للطيارين المصريين، وللأطقم الأرضية، ولهيئة الضباط: مهاراتهم في الطيران، وهل وصلوا إلى رتبهم بمقدرتهم أو بالوساطة”.

يروي جوردون توماس أن مئير عميت، مدير الموساد آنذاك، كان ينكب على دراسة تلك الملفات في الليل باحثا عن نقاط الضعف، ومن يمكن ابتزازهم لكي يعملوا لحسابه “لم يكن عملا مبهجا، لكن المخابرات دوما عمل قذر”. وهنا في مصر تخلى مدمنو التلصص عن واجبهم، وسقطوا في مستنقع السادية، ورأوا في كشف عورات الناس وابتزازهم “عملا مبهجا”، وكان لا بد من “نكسة” للاستفاقة. لم أقرأ لأي خبير استراتيجي أو استخباراتي مصري أنهم اعترضوا خطابات مجهولة أرسلت من القاهرة إلى عناوين ضباط، تحمل إلى أسرهم اتهامات محددة للضباط، فتوالى حصولهم على إجازات مرضية ليتمكنوا من حل مشكلاتهم الأسرية. وبدأ الضباط يتلقون اتصالات تليفونية مجهولة عن الحياة الخاصة لزملائهم. ويقول إن سلوكا من هذا النوع أدى إلى انتحار ضابط بإطلاق النار على نفسه، “تسببت هذه الحملة القاسية في شقاق ملحوظ داخل العسكرية المصرية، وأرضت مئير عميت بشكل كبير”.

جاء وقت الحصاد، وقد رصدت تقارير الموساد أن كبار الضباط يقطعون نصف ساعة في المتوسط، من المنازل إلى المكاتب، ولا يكونون على مكاتبهم قبل الثامنة والربع، “ويضيعون عشر دقائق أخرى في شرب القهوة والدردشة مع الزملاء، ولا يبدأ معظمهم بدراسة الإشارات التي وصلت في الليل من القواعد الحربية قبل الثامنة والنصف”، كما حددت التقارير أن الضباط يتناولون الإفطار بين 7:15 و7:45 صباحا، ويمشون عشر دقائق إلى الثكنات لإحضار معدات الطيران، ولكن معظمهم يقضي بضع دقائق في دورات المياه، فيصل في الساعة الثامنة تقريبا.

جاءت ساعة الصفر، بعد تحديد الوقت الحرج لوحدات الرادار الميدانية، بين 7:30 و7:45 صباحا؛ فخلال هذه الدقائق تكون وردية الليل متعبة، والوردية التالية لم تستعد بشكل كاف، إذ تتأخر قليلا بسبب بطء الخدمة في قاعات الطعام. وأبلغ مئير عميت قائد سلاح الجو الإسرائيلي “بضربته المميتة في الثامنة ودقيقة واحدة، بطيران منخفض فوق سيناء ليمطر القواعد الجوية المصرية بوابل من القنابل، وتحولت السماء إلى اللونين الأحمر والأسود من لهب احتراق عربات الوقود والسلاح وانفجار الطائرات”، وجلس مئير عميت في مكتبه معجبا برجاله الذين حددوا نتيجة الحرب قبل أن تبدأ.

لديّ طبعة بيروتية (2007) من كتاب “جواسيس جدعون.. التاريخ السري للموساد”. (592 صفحة، 26 فصلا بعضها عن أسامة بن لادن وما بعد صدام حسين، وسجل المؤلف تاريخ فراغه في يوليو 2004)، أما الطبعة التي اعتمد عليها فصدرت في القاهرة (يوليو 1999)، بعد أشهر على صدور الكتاب في نيويورك. وقد راجعت الآن إهداء المترجم الفلسطيني أحمد عمر شاهين “الصديق العزيز سعد القرش.. ها هم اليهود على حقيقتهم”. وبعد مضي 14 عاما على وفاته، أريد أن أقول لروحه “ها هام العرب والمسلمون على حقيقتهم يا صديقي”.

أما اصطلاح “دولة المخابرات” فأطلقه عبدالناصر نفسه، وهو يعلن المسؤولية عن الهزيمة، عمّا بلغته مصر من انهيار، فكان لا بد من صدمة بطعم الهزيمة، تعيد الجيش إلى دوره القتالي الاحترافي، على أيدي عسكريين لا علاقة لهم بالسياسة: محمد فوزي وعبدالمنعم رياض.

يتزامن هذا العام مع مرور 67 عاما على نكـبـة 1948، وكذلك مع مرور 48 عاما على نكـسـة 1967. مفارقة الأرقام، ولكن الطريق إلى النكسة احتل المساحة المتاحة للمقال، وهي فرصة لتأجيل الشعور بالخجل مما سجله كتاب “صهيونية في ظل الأهرامات”، إلى الأسبوع القادم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر