الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

أين قلمي

كيف سيتعلم الطفل الكتابة بخط جميل، إذا كان الآباء لا يكتبون، فيما ركن المعلمون القلم وكراس الخط على الرف، وانساقوا مع باقي الركب وراء رياح التكنولوجيا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2015/06/05، العدد: 9939، ص(21)]

أين قلمي؟ سؤال ربما لم يعد يطرحه الكثيرون بعد أن أصبح لديهم البديل الذي أغناهم عن القلم وتبعات فقدانه أو نسيانه أو جفاف حبره في المواقف الصعبة والمحرجة.

اليوم، وبعد أن اختزلت الحواسيب والهواتف الذكية كل لغات العالم، وأصبحت ملازمة لنا في حلنا وترحالنا، لم نعد في حاجة إلى ما تعلّمنا به أبجديات اللغة وعبّرنا به عن أفكارنا، وكان في ما مضى خير صديق في وقت الفرح والضيق.

ربما حتى مذكراتنا نفسها بليت لأننا نسيناها مع جميع أشياء الماضي المتروكة والمهجورة، وأصبحنا أكثر التصاقا بالصناديق العجيبة التي تتداول علينا كل يوم فتنسينا إذا كنا أفطرنا أو تعشينا.

قلة من البشر اليوم ما زال يستهويهم حمل اختراع المجري لاديسلاو جوزيف بيرو، قد يزينون به ملابسهم أو يركنونه في حقائبهم لوقت الحاجة، ونادرا ما يقتنونه كهدية لحبيب أو صديق، ولكن بعد تردد كبير قد ينهيه البريق الذي في شكله أو قيمته المادية، يشترونه وهم لا يعرفون ما إذا كان المهدى إليه سيكون سعيدا به أم لا.

وفي عصرنا الراهن أرى أغلب الآباء ممن تربطني بهم صلة قرابة أو صداقة يحاسبون أطفالهم ويوبخونهم بشدة، ويصبون عليهم جام غضبهم لأن خطوطهم رديئة.

ويبدو لي أن مسألة رداءة الخطّ ليست حكرا على التلاميذ الذين مازالوا في طور التدريب على إيقاع الخط وحركات اليد، فحتى أولياء أمورهم وربما معلموهم وأغلب المحيطين بهم لديهم المشكلة نفسها بعد أن طوي عصر القرطاس والقلم ودخلنا طور الكتابة الحاسوبية.

ويكاد الأطفال اليوم لا يعرفون منذ صغرهم سوى لوحة مفاتيح الحاسوب، ونماذج الكتابة الإلكترونية، في حين كان من المفروض أن يتعلموا مهارات الكتابة والقراءة من مواقف طبيعية يعيشونها في المنزل ومع زملائهم في المدرسة.

إن أغلب الأطفال اليوم يقضون ما يعادل 6 إلى 8 ساعات متسمرين أمام الشاشات والأجهزة الذكية، التي لم يعد يخلو منها منزل ولا مدرسة.

وفي الآونة الأخيرة أصبحت العديد من الحكومات تحرص على نشر الأجهزة اللوحية في المدارس بهدف الارتقاء بجودة التعليم وتسهيل العملية التربوية.

ومن المتوقع أن يشهد قطاع التعليم في دول الخليج العربي زيادة في استخدام الأجهزة الذكية لأغراض التدريس والتعلم بنسبة 100 بالمئة بحلول العام 2017.

ولكن على الرغم من القيمة الكبيرة لهذه الأجهزة ودورها في تطوير التعليم وتحفيز التعلّم الذاتي انطلاقا من تعدد الاستراتيجيات الإلكترونية البديلة، إلا أنها أيضا أضعفت قدرات التلاميذ ومهاراتهم ولاسيما في مجالي القراءة والكتابة اللذين كانا ومازالا من أهم ركائز التعليم.

والأكيد أن تحسين الخط بالنسبة إلينا جميعا وليس إلى المعلمين فقط أمر مطلوب، لأن الخط الواضح والجميل تعشقه الأعين ويبعث الراحة في النفوس ويسهل علينا عملية القراءة وفهم المحتوى، على عكس الخط الرديء الذي يشعرنا بالاشمئزاز والنفور ولا يشجعنا على القراءة حتى ولو كان المحتوى قيّما.

ولكن كيف سيتعلم الطفل الكتابة بخط جميل، إذا كان الآباء لا يكتبون، فيما ركن المعلمون القلم وكراس الخط على الرف، وانساقوا مع باقي الركب وراء رياح التكنولوجيا.

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر