السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

السبت 23 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10760

أجراس سبايكر لمن تقرع

يبدو غريبا أن المجازر والإبادات ارتكبت أحيانا لأسباب تتعلق، كما ادعى أصحابها، بإرادات سماوية، وكانت العقائد طوافات لركوب موجات من الدم، غطت لمرات مساحة الأرض.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/06/05، العدد: 9939، ص(9)]

الإنسان قديما، استخدم حواسه لاستشعار الأخطار، والخطر الأكبر الأقرب إلى التجربة كان تغير الفصول وتقلبات المناخ، ومن يحيا في الطبيعة يكون جزءا منها، فلقدوم العاصفة إنذارات مبكرة يلمسها الإنسان بتصرفات الكائنات الحية، والعلوم الحديثة أثبتت ذلك، وللحياة في البرية كتب تساعد الراغبين في تجربة العيش الحر والاعتماد على النفس في كيفية تجاوز الصعوبات المحتملة والتغلب على المفاجآت. أشياء بسيطة من المعرفة تنذرنا بالعاصفة، والعاصفة من يدري؟ ربما تكون شكسبيرية الإيقاع في المعنى لتبدل الأرض من حال إلى حال.

بهذه المقدمة أرمي شباكا لأصطاد العواصف التي مرت واقتلعت قرى وحواضر مدن في العراق، رغم أجراس الإنذار واستشعار الخطر ومحاولة أخذ الحذر، لكن الرياح وجهت غضبها وتركت مدينة مثل تكريت عرضة للخراب والموت. بعد أيام ستحل ذكرى مجزرة قاعدة سبايكر، التي أودت بحياة ما يقارب 1700 من المتطوعين الجدد في القوة الجوية، حدث ذلك بعد يوم واحد من احتلال الموصل، ومن يعرف طبيعة المسافة والأرض بين الموصل وتكريت، يستشعر عمق الضعف في كيان الدولة وقواتها العسكرية والأمنية، ومدى الاستهانة بأبسط مكونات الجيوش وإعدادها وحياة مواطنيها.

لا نركز على انهيار الجيش السريع في الموصل وتداعيات ذلك على تكريت، لأن الرمادي مثال قريب آخر، لقيادة سياسية تناور في خطابها وتصف هزائمها بالتكتيك، ولا تدري ماذا تفعل أو تصرّح، حتى إنها تباشر الهجوم لاستعادة الرمادي في الإعلام والأحلام بما دفع سياسيا معروفا ضمن طاقم الدولة ويترأس “الحشد الشعبي” إلى وصف خطة رئيس الوزراء لتحرير الرمادي، بالمثيرة للضحك! ومعه الحق لأنه أقرب إلى الأرض وواقع ومجريات الصراع.

من يومين قبل كتابة المقالة، وأنا أقرأ عن المجازر والإبادات الجماعية، ولا أكتمكم سرا بما أشعر به من خذلان تجاه مستقبل الجنس البشري، وحماقة عدد من القادة أو المجموعات في تعاملها، وتصاعد نزوعها العنصري لمستويات يقف أمامها الإنسان مجردا ليتأمل أسباب تكرارها، أو نسيان دروسها، كأننا نقدم أمثلة لعدم إمكانية التصالح مع أنفسنا.

مما وجدته أن الإبادات شملت معظم الشعوب، ولا تخلو فترة من التاريخ إلا وتلطخت بصفحات من العنف والانتقام. يبدو غريبا أن المجازر والإبادات ارتكبت أحيانا لأسباب تتعلق، كما ادعى أصحابها، بإرادات سماوية، وكانت العقائدُ طوّافات لركوب موجات من الدم، غطت لمرات مساحة الأرض.

الأزمنة الحديثة شهدت أبشع المجازر مثلما حدث للأرمن بداية القرن العشرين والتبعات ما زالت تتردد في المحافل الدولية والإعلام، ومنها ما عايشناه كمذبحة سربرنيتسا سنة 1995 في البوسنة والهرسك، ارتكبتها القوات الصربية وانتهت بالانتقال شبه التام إلى العيش ضمن الجماعات الموحدة عرقيا. في ذاكرتي قصة من نهاية تلك المأساة عندما أراد عاشقان أن يلتقيا ولم يكن هناك سوى جسر يفصل بين المتحاربين وبين العاشِقيْن، ركض الاثنان على الجسر وبدلا من سقوطهما في أحضان بعضهما والحياة، تم إطلاق النار عليهما من الجهتين، فسقطا في حضن الموت، لكن دمهما رسم خارطة للحب والتعايش والسِلم، والندم أيضا.

أمتنا عانت من مجازر في فلسطين وغيرها وحدثت اجتياحات، وارتكب بعض الحكام جرائم ترقى إلى الإبادات تحت ذرائع سحق التمرد على الدولة، مستخدمين ما يعرف بالعنف الشرعي، حدث ذلك في العراق وسوريا وتحت ظل حكومات متتالية، ومن آثارها كانت نتائج ما نراه الآن على الأرض.

أعود إلى تكريت وتجاهل الإعلام لما يحدث لها بعد دخولها وطرد الإرهاب، فالسرقات مستمرة وحرق المنازل والمحلات وعدم عودة النازحين، كلها أضعها في سلة الحقيقة، ولا أنوي العودة إلى ما تعنيه هذه المدينة للنظام الإيراني أو أتباعه، ما أريده أن يتفهم أهل تكريت أن ذكرى مجزرة سبايكر ستمر في سنتها الأولى ودماء الضحايا مازالت عالقة في قلوب وجينات الآباء والأمهات، لذلك، الحديث عن زيارات إلى أماكن الإبادة ستكون لها ردود فعل تتغذى عليها منافع وأهواء منفلتة، تتجاوز الأحزان العظيمة لأهالي الضحايا. لا يوجد في تكريت جسر يموت عليه عاشقان كما في سراييفو، وليس فيها إلا الخراب وأهلها بين مهجر ونازح ولاجئ وتحت التراب، ومن يمد يده البريئة من كل دم، لمصافحة أهل الضحايا، سيضيع صوت براءته من دم أخيه في زحام ضياع العقل الرشيد لحكم العراق. اعتذر نيابة عن الكتابة لأنها بلا صوت، لكن مع ذلك، ربما تبني جسرا بين قلبين يمر عليه طفل صغير ليعانق الغد، طفل لا علاقة له بكل شعوذات الموت.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر