الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

ديك الحبش المهجَّر

ديك الحبش الذي يخفق بجناحيه الكبيرين فوق تلك الأرض، يظلّل كغيمة عملاقة جموع البشر المتقاتلين اليوم كديوك عادية منتفشة هجينة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/06/05، العدد: 9939، ص(24)]

كان لدينا ديك حبش، أحبّ المشي في حديقة البيت كملك متوّج، ولم يكن حينها قد ظهر أي مشروع تهجير للعرب من الجزيرة السورية وغرب العراق، فكان بيت جدي في حيّ قدور بك في القامشلي واسعا ورحبا كسهول تلك الأرض الممتدة بلا نهاية، وكان الديك يتشمّس فيه آمنا مطمئنا من أي مشروع قومي عنصري يظهر هنا أو هناك.

وكان لديك الحبش ذاك، هواية غريبة يمارسها بعد أن يذرع الحوش الكبير، ثم يختار غرفة خالي مادا رقبته الطويلة عبر الباب أولا، متلفتا يمينا ويسارا كي يتأكد من أن الغرفة خالية له، يخطو برجليه القويتين، ويتجه مسرعا قافزا فوق طاولة وضعت عليها مرآة كبيرة، ليبدأ بتأمل ذاته، وتمر الدقائق والساعات وهو غارق في صورته، يستكشف من هو وكيف خلقه الله على هذه الصورة الفريدة، لا طاووس ولا دجاجة، فكانت علاقة ديك الحبش مع المرآة علاقة يومية خاصة لا ينساها أحد.

وذات يوم وجد الديك باب البيت مفتوحا، فتملكه الفضول وخرج ليرى ماذا يوجد في العالم الخارجي، لكن لصا مرّ من حارتنا، فسارع إلى حمل الديك والركض به إلى البعيد، وفُقد الأمل في العثور على الديك، ومرت الأيام والأسابيع، حتى رأى جدي رجلا في السوق ينادي على ديك حبش يريد بيعه، نظر إلى الديك فعرفه على الفور، وكان جدي رمحا من الفتوة، لا يجرؤ على إغضابه أحد، لم يكن للديك قيمة في نظره، إلا أنه لم يقبل أن يغلبه أحدٌ على شيء له مهما كان، فأمسك برقبة اللص الذي أنكر، وجاء الناس ليحكموا في الأمر، فقال جدي إن هذا الديك سيعرف بيتنا، ويمكنه أن يخبرهم سلفا بما سيفعله بعد أن يدخل البيت. ذهب الجميع إلى الحارة، وتركوا الديك وحده، فسارع إلى باب البيت، وعاد إلى مشيته الملكية، ثم دخل غرفة خالي وصعد إلى مرآته ليتأمل ذاته كما اعتاد.

ولم يكن لدينا في ذاك الفردوس، عيد شكر كما لدى الأميركيين، ولكن ديوك الحبش كانت تملأ حياتنا، وقد مرّ معي مثلٌ عامّي سوري يقول “ما بيعرف وجع الخروف إلا ديك الحبش”، لأن معظم الناس تعاملوا مع تلك الكائنات الزخرفية على أنها مواشٍ، عندنا فقط أدركوا سحرها، وآمنوا بأنها رمزٌ عميق للفراغ البليغ الذي كانت تلك الأرض تعنيه، مفتوحة لكل مهاجر وكل عرق ولون.

كان الأكراد يسمونه “علوك” أما العرب فقد أطلقوا عليه اسم “ديك العلو” ولم نسمع عن الحبش والرومي والتركي إلا بعد حين، أما بعض الناس فقد آمنوا بأن تلك الديكة كانت صيحاتها تنادي “علي علي علي علي” ولم يكن يتحسّس أحدٌ حينها، من هذا التأويل لأن فيه ذكرا طيبا لعلي بن أبي طالب الذي أحبه الناس وقدّروه.

أما الغجر فكانوا يدسّونه في قوافلهم المترحلة، إلى أن ظهر في فيلم “زمن الغجر” للمخرج البوسني أمير كوستاريكا الذي حصل على سعفة كان في العام 1988، غازيا منامات “برهان” بطل الفيلم الذي أحب “أزرا” وأصرّ من أجلها على أن يغير حياته ويصبح غجريا ناجحا.

ديك الحبش الذي يخفق بجناحيه الكبيرين فوق تلك الأرض، يظلّل كغيمة عملاقة جموع البشر المتقاتلين اليوم كديوك عادية منتفشة هجينة.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر