الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الزي الموحد

المرأة في تونس، مثلا، مسموح لها بأشكال التعبير عن الذات عبر فساتين ومعاطف وأحذية جميلة، لكنهن يأبين إلا طريق الـ”هكّا” والفرسان الثلاثة.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/06/09، العدد: 9943، ص(24)]

في الشتاء الماضي زرت تونس. وتونس بلد تخرج فيه المرأة إلى الشوارع وترتدي ثيابا عصرية، يعني ليست مثل دول الخليج. والملابس تتيح للمرأة التعبير عن نفسها وعن شخصيتها كما تعلمون. لكني رأيت أن كلهن تقريبا متقمصات شخصية دارتانيان أو أي من أصحابه الفرسان الثلاثة.

أينما تذهب تجد الفتاة قد ارتدت بنطلونا محزقا نصفه الأسفل مغطى بحذاء ذي رقبة طويلة يصل إلى الركبة ونصف الجسم الأعلى من الكتفين حتى الركبة مغطى بشال ليؤكد الالتزام بهيئة دارتانيان.

الفرسان الثلاثة يرتدون عباءة قصيرة حتى الركبة ينضونها عنهم لدى اشتداد حدة المبارزة، ولم تتبارز بنتان أمامي لأتأكد من القيام تلك الحركة. ولم تتبارز بنتان لأن النساء في تونس لا يحملن سيوفا، ممنوع في ما يبدو. لا شك أن الشرطة الساهرة على أمن المواطن تدرك شراسة البنات وكيف أن السيف يمكن أن يتجرد من غمده ويكون له صليل وسط صرخات “هكّا ولا هكّا” المرعبة.

الشرطة تطالبهن بنزع السلاح لحظة الخروج من المنزل. وأذكر هنا أن المرأة التونسية فيها شراسة طبيعية وأنا أرتعب من “هكّا” هذه، فهي صرخة معركة مخيفة. وهناك كلمة أخرى لديهن لا تقل رعبا وهي “هكاكا” وأظنها مدرسة في الطعن وطريقة في إعمال السيف. المهم، كله رعب. الذي أريد أن أقوله هو أن الناس في بلادنا لا يألفون التعددية ربما بسبب البيئة السياسية مما يجعل البنات يرتدين باختيارهن زيّا موحدا.

المرأة في تونس، مثلا، مسموح لها بأشكال التعبير عن الذات عبر فساتين ومعاطف وأحذية جميلة، لكنهن يأبين إلا طريق الـ”هكّا” والفرسان الثلاثة.

وتمضي عقلية الشيء الواحد في مجتمعاتنا طاغية على كل شيء. في الرياضة، مثلا، هناك كرة القدم ولا شيء عداها. في دول أوروبية تجد من لا يأبه لكرة القدم ويفضل التنس. في نهائي ويمبلدون تجد شوارع إنكلترا خالية مثل أجواء نهائي كرة القدم. الكل مشغول عن التسوق والتمشي ليتابع نهائي التنس أو الكريكيت أو الرغبي.

في الكوميديا الصامتة القديمة عندنا تشارلي تشابلن ولا شيء سواه. في إنكلترا، مثلا، الناس منقسمة بين من يعشق بستر كيتن ومن يميل إلى هارولد لويد ومريدي تشابلن طبعا. وفي السيارات الفارهة، عندنا المرسيدس ولا شيء آخر، لا بي أم دبليو ولا أودي. عقلية الشيء الواحد في كل شيء.

المؤسف أننا بهذا تضيع منا معرفة عباقرة كبار أثروا في إنسانيتنا بأعمالهم. في الكارتون لا نعرف سوى والت ديزني الذي لا أحبه ونسقط من حسباننا مبدعين رائعين مثل تشاك جونز وتيكس أفري. ميكي ماوس ليس وليد الفن بل ابن الصناعة بينما دافي دَك وبَغس بَني وياسمتي سام أبناء الفن والضحكات الصافية. نحن لا نأبه لهم لأننا نحب ديزني في ما يشبه التوحيد. أظن أنها البيئة السياسية التي تربينا على النفور من التعدد وكأنه شرك.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر