الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

نكسة 'الأردوغانية'

إن كان من عنوان لنتيجة الاستحقاق البرلماني فهو تحجيم الأردوغانية، والحيلولة دون تحويل المحطات الانتخابية إلى غنائم يجيرها أردوغان لفائدة مشروع 'شخصنة الدولة ودولة الشخص'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/06/10، العدد: 9944، ص(9)]

كلّ تحليل لنتائج الانتخابات البرلمانية التركية يقف عند الأرقام والإحصائيات ويغوص في معجمية الحساب والكمّ، لن يبلغ المغزى الحقيقي للاستحقاق الانتخابي، ولن يستكنه محددات الربح والخسارة في السباق التشريعي.

ذلك أنّ انتخابات 2015 لم تؤسس على رهان الوصول إلى البرلمان وتشكيل الحكومة، وإنّما قامت على أساس استفراغ النظام البرلماني من قيمته وتمثيليته الشعبية، لصالح نظام رئاسيّ أحادي بقيادة رجب طيب أردوغان.

في الظاهر كانت انتخابات 2015، انتخابات تشريعية وفي العمق كانت استفتاء على إلغاء النظام البرلماني التشاركي، واستبداله بنظام رئاسي يؤمّن لأردوغان صلاحيات واسعة، تجعل السلطة والإدارة والحكم تدور في فلك شخصه، عوضا عن أن يكون هو في خدمة “الدولة التركية” التي طالما تغنى بمؤسساتها الديمقراطية والجمهوريّة.

بداية الاستبداد، شخصنة للدولة والمؤسسات، وتوهم بالوصاية الفردية والذاتية على ديمومة السلطات، تجعل صاحبها في مسعى محموم للبقاء على رأس الدولة وتبيح له “التحيل” الديمقراطي لتطويع وتجيير الدولة لذاته، لا يهمّ أردوغان كثيرا أي نظام سياسي يلائم تركيا المتعددة إثنيا وسياسيا وفكريا، بقدر ما يهمه البقاء “حاكما” بأمره ولو كان على حساب تركيا التعدد والتعددية.

قليلة هي الديمقراطيات الرئاسية في العالم، لو استثنينا فرنسا وأميركا، وكثيرة هي الديمقراطيات البرلمانية الحقيقية لو استثنينا إسرائيل، فإن كان المرمى تأمين الديمقراطية في بلد الإثنيات والملل والنحل فتكون المسلكية الأنسب الحفاظ على التمثيل الشعبي الأوسع في البرلمان، لا الانتقال إلى نظام سياسي يضع السلطة والسلطان في يد شخص واحد. أدرك أردوغان أن “الأردوغانية” لن تدوم إلا بنقل صلاحيات رئاسة الوزراء إلى رئاسة الجمهورية، عبر تفويض شعبي كاسح عنوانه الظاهر انتخابات برلمانية، وعمقه الركين تمكين أردوغان من كافة مقاليد الحكم والسلطة في البلاد.

لم تستكن مجامح السلطة لدى أردوغان لـ”ثنائيّة” الرئيس القوي ورئيس الوزراء الضعيف مجسدا في أحمد داوود أوغلو، ولم تسكن مباعث السيطرة عنده لحيازة صلاحيات رئاسة الوزراء عبر تحريك لدمية أوغلو من وراء ستار وعبر الحبال، ولم تقبل بواعث الحكم عنده لنموذج “بوتين-مدفيديف” من حيث تبادل الأدوار والسلطات، إذ أنّ رجب طيب أردوغان يريد أن يكون وحده الحاكم والنائب والمستشار، وحتّى المنافسين المحتملين لمطامحه وأطماعه في الكرسي تخلص منهم الواحد تلو الآخر من عبدالله غول إلى علي بابا جان، في استحضار لتقليد عثماني قديم يعدم فيه السلطان أولياء العهد والأمراء أملا منه في مغالبة الزمن والمستقبل. اليوم، يتقدّم حزب العدالة والتنمية وتنتكس في ذكرى النكسة العربية “الأردوغانية” بما تعنيه من شخصنة للدولة وملاحقة للصحفيين والمثقفين وتجيير للقضاء التركي لترهيب الصحافة الحرة والإعلام الاستقصائي، وتحالف إستراتيجي مع التكفيريين في سوريا والعراق، وانتهاج لإستراتيجية “التكفير الناعم” ضدّ الخصوم السياسيين، وتحويل الجوار إلى كتلة من غضب ونار حيال “الأردوغانية” السياسية والفكرية والدعائية والاستراتيجية.

إن كان من عنوان للنتيجة الحاصلة في الاستحقاق البرلماني فهو تحجيم الأردوغانيّة، والحيلولة دون تحويل المحطات الانتخابية إلى غنائم سياسيّة يجيرّها أردوغان لفائدة مشروع “شخصنة الدولة ودولة الشخص”.

على القيادات السياسية المعتدلة في حزب العدالة والتنمية، وهي كثيرة جدا والبعض منها لوّح بالاستقالة أكثر من مرة، أن تدرك أنّ الأردوغانية باتت الخطر الداهم على تركيا أولا، وعلى العدالة والتنمية ثانيا، وعلى مؤسسة الرئاسة ثالثا، وعلى أردوغان رابعا، وإنّ كافة المشاريع الإقليمية التي راهن عليها رجب طيب في سوريا ومصر وليبيا وفلسطين ولبنان سقطت في الماء.

وبمقدار قرب وبعد العدالة والتنمية من “الأردوغانية” يكون الانتصار والانكسار، واليوم رفع الأتراك أصواتهم بأنهم يريدون أردوغان رئيسا في نظام برلماني، وليس في نظام رئاسيّ، ويريدون العدالة والتنمية جزءا من الحكم لا “الحكم والحكومة معا”.

خسر “رجب” كثيرا في استحقاق الانتخابات في “شعبان”، وفي ذكرى النكسة أصيب بنكسة كبرى. هي نكسة بلغة المشروع والمطمح والمطمع أمّا الباحثون في النسب والأرقام، فلهم الرقم ومعه الوهم أيضا..

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر