الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الدرس التركي لأنصار 'التتريك' العربي

بعض الأحزاب الإسلامية ظلت تنظر إلى التجربة التركية كملاذ أخير يشكل عربونا على نجاحها، خصوصا إذا تم تبني بعض أساليبها، مثل ازدواجية الخطاب السياسي.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2015/06/12، العدد: 9946، ص(8)]

من الواضح أن نتائج الانتخابات التركية الأخيرة، التي مني بها حزب العدالة والتنمية بخسارة ملحوظة عكست تقلص المساحة السياسية التي بات يتحرك عليها، قد شكلت بالنسبة للإسلاميين العرب محطة سياسية تستحق التأمل؛ إذ لا شك أن هذه الهزيمة الانتخابية التي تأتي بعد أزيد من عقد من الزمن على تسويق النموذج التركي لدى الإسلاميين العرب، من شأنها أن تؤثر على أسلوب تفكير هؤلاء الإسلاميين الذين حولوا تجربة الحزب التركي إلى مرجعية سياسية وأيديولوجية تحركوا في ظلها فترة طويلة، وكان جزء من خطابهم السياسي يرتكز على النجاح المفترض لحزب العدالة والتنمية.

لا داعي للقول بأن الإسلام السياسي العربي عاش ضحية للنماذج طوال العقود الأخيرة بل قبل ذلك، الأمر الذي انعكس على ثقافته السياسية وأنتج فجوة فكرية متعاظمة بين أسلوب التفكير والعمل، ومعطيات الواقع في كل بلد عربي على حدة.

فالنموذج الإخواني المصري مثلا انتشر على نطاق واسع على الصعيد العربي خلال الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين، وأدى في العديد من التجارب إلى الصدام بين الدولة وهذه الجماعات في أكثر من بلد عربي، كما قاد إلى جدل سياسي في أوساط الإسلاميين أنفسهم حول ما هو محلي وما هو مستورد من النماذج الفكرية والسياسية والتنظيمية.

وخلال الثمانينات شاع النموذج الإيراني، فأضيف إلى النموذج الإخواني، الذي أشاع الفكرة الانقلابية، النموذج الإيراني الذي أشاع وهم الحشد الجماهيري. وخلال التسعينات انتشر نموذج حزب الله الشيعي الإيراني، وهو فرع عن النموذج الإيراني؛ ولكن ما كادت تجربة حزب العدالة والتنمية التركي تظهر حتى انعطف الإسلاميون العرب إليها برؤوسهم. وفي جميع هذه النماذج كان الإسلاميون العرب في وضعية أقرب ما تكون إلى الحكواتي المقلد، الذي يسمع الحكايات ثم يعيدها على جمهور لا يعرف أصولها.

الفشل الانتخابي لحزب العدالة والتنمية جاء في سياق مرحلة ما بعد الربيع العربي، التي منحت الإسلاميين العرب حضورا ملحوظا في المشهد السياسي، دفعتهم إلى الشعور بالتفوق وامتلاك الحشد الجماهيري. ورغم أن ما سمي بالربيع العربي أخرج كل ما في أحشائه، وأدى إلى ما أدى إليه من اقتتال باسم الإسلام تعود جذوره إلى النزعة الإخوانية، فإن عددا من الأحزاب الإسلامية ظلت تنظر إلى التجربة التركية كملاذ أخير يشكل عربونا على نجاحها، خصوصا إذا تم الاقتراب من تلك التجربة وتبني بعض أساليبها، مثل إزدواجية الخطاب السياسي، ومداهنة المؤسسات العليا في الدولة.

ليس الإسلاميون العرب من كان لديهم اهتمام بتجربة العدالة والتنمية فحسب، بل إن هذا الأخير أبدى اهتماما بترويج نموذجه في أوساط الإسلاميين منذ بداية الألفية الثالثة، لكن هذا الاهتمام زاد بعد الربيع العربي، إذ تحول رجب طيب أردوغان إلى ما يشبه “بابا” الجماعات الإسلامية الذي ينتقل بين العواصم العربية للتبشير بكلمة الحزب. فخلال سنة 2011 زار مصر وتونس وليبيا لإعطاء دروس للإسلاميين، بعد أن أدرك أن الكفة باتت تميل إليهم، بفعل تحلل التنظيمات السياسية القائمة وغياب البدائل.

ولم يدرك الإسلاميون العرب أن أردوغان لا يفعل ذلك حبا في العرب، بقدر ما يفعله نكاية في إيران، وبأن هدف العدالة والتنمية تحويلهم إلى جوقة في منازلة بين تركيا وإيران على الزعامة الإقليمية، وهو ما جعلني وقتها أكتب أن ولاء الإسلاميين العرب لمصالح تركيا مقدّم على ولائهم للمصالح العربية.

أحيت الأحزاب الإسلامية العربية سياسة التتريك الشهيرة إبان نهاية القرن التاسع عشر، عندما انتفض العرب على نشر اللسان التركي وفرضه عليهم بقوة السلطان العثماني. ولكن السلطان العثماني الجديد اجتذب هذه الأحزاب إلى حظيرته، هذه المرة ليس عبر تتريك اللسان، بل عبر وهم الخلافة الإسلامية. والأكثر من ذلك أنه عرى ورقة الدين التي يستعملها هؤلاء ذريعة للوصول إلى السلطة، عندما اندلعت الخصومة بين العدالة والتنمية وحركة فتح الله غولن، التي كان الإسلاميون العرب من المبشرين بها، قبل أن يقرروا قطع الآصرة معها والارتباط بالحزب، أي إحداث القطيعة مع النزعة التربوية والتشبث بالنزعة السلطوية.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر