الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

تنابل الديمقراطية

مفردة 'تنابل السلطان' قد انتشرت بين الناس، بسبب ما عرف عن مجالس السلاطين من أنها ضمّت بعض المسلّين المضحكين والوجهاء والسياسيين.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/06/12، العدد: 9946، ص(24)]

كان نوري الشعلان الشيخ البدوي، رجلاً مهيباً لا يسمح للناس بأن يروا وجهه، فقد كان ملثماً على الدوام، قاد قبيلته في بلاد الشام، عبر مراحل خطيرة، وكان البدو يعتمدون عليه كل الاعتماد، حتى أن المستشرقين يروون في ما يروون، سؤالهم للبدوي: إذا جاءك منكر ونكير في القبر، وسألاك الأسئلة إياها فبماذا ستجيب؟ ولم يكن البدوي يتردد في القول “النوري يجاوب عنّي”، ويقصد أنه ليس مضطراً لفعل ذلك ما دام الشيخ الشعلان موجوداً.

بنى نوري الشعلان لنفسه قصراً على أطراف صالحية دمشق، ليحمل الحي كله اسمه لاحقا وليصبح اسمه “حي الشعلان”، الذي اشتهر فيه بعد عشرات السنين سوق يبيع لوازم الطبخات الصعبة والثقيلة جاهزة معبأة في أكياس، فالكوسا محفورة سلفاً للمحشي، والبطاطا مقشرة مقطعة، والبقدونس مفروم، فسمّاه الناس بـ”سوق التنابل”، لأن من يشتري منه لا يريد أن يجهد نفسه بشيء من العمل.

وكانت مفردة “تنابل السلطان” قد انتشرت بين الناس، بسبب ما عرف عن مجالس السلاطين من أنها ضمّت بعض المسلّين المضحكين والوجهاء والسياسيين، ومعهم جوقة من الكسالى ممن لا يفعلون شيئاً سوى الأكل والشرب وتزويق المشهد السلطاني من حول العرش.

وهؤلاء عرفوا في كل العصور، ولكن السلطان عبد الحميد الثاني زادهم شهرة حين غضب عليهم، في القصة المعروفة، فجمعهم في حي في إسطنبول وقرّر حرقهم، لولا تدخل الصدر الأعظم الذي قال له “يا مولاي، قد يكون بعضهم بريئاً من تهمة التنبلة، فلنجعل النار من حولهم على شكل حلزوني، ومن وجد في نفسه بعض الهمّة، سينقذ نفسه ويهرب من الحريق، ومن لا يخرج فهو تنبل ابن تنبل”، وهكذا كان، وحين بحثت فيهم وعنهم لم أجد الكثير، لأن الناس يخشون التنابل الذين يدافعون عن حقهم في الوجود والتنبلة.

ومنذ أن انشغل الناس بالهم السياسي، وألفوا التسمّر ساعاتٍ يومياً أمام الشاشات لمتابعة إنجازات السياسيين والحكام، فقدوا الاتصال مع شؤون الحياة، فبات الخبر الحربي والمجزرة والمؤتمر في آذان الجميع، مع أن عين السياسة هي يوميات الحياة، لا كوارث الصراع على السلطة، فنشأ من يومها، نوع جديد من البشر، قرأت أن لديهم ما يُعرف باسم “الوصايا العشر للتنابل” منها قولهم “إن العمل شيء مقدّس، لذلك لا تقترب منه أبداً”، و“لا تؤجل عملك للغد، طالما يمكنك تأجيله لبعد الغد”.

ولأن الكراسي التي تزعزعت لم يأت بديلٌ منها بعد، فقد نتج في الفراغ ذلك الخلق الجديد من حول كرسي الحرية، وظهر “تنابل الديمقراطية” ممن لا شغل لهم ولا عمل، سوى التنبلة والثرثرة عن الحرية وحولها وفيها، فتدفق سيل من الهذر في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، لا قيمة له ولا معنى، وبات هؤلاء يجدون في أنفسهم أصحاب حق في التدخل في القرار والقضايا الكبرى، وبعضهم تسلل إلى مواقع في مؤسسات حقوقية وإعلامية ومدنية وأحزاب مختلفة، بسبب حاجة السوق الدائمة إلى التنابل، بانتظار الحل السياسي لقضايا الشرق الأوسط المشتعلة، متناسين أهم وصية من وصايا التنابل العشر “لا تقلقْ، لن يموت أحدٌ إذا لم تفعل شيئاً، بالعكس، فقد يتأذى الآخرون عندما تعمل أنت تحديداً”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر