الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

حزب التحرير والتدمير

صحيح أن حزب التحرير يتبرأ من تنظيم داعش في الكثير من السياسات المعتمدة، ولكن التنديد لم يتجاوز مرحلة شجب العنف المقترف.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/06/15، العدد: 9949، ص(9)]

أن يوجّه “حزب التحرير” في تونس الدعوة إلى المؤسسات القضائية والعسكرية والمدنية والسياسية في البلاد إلى تبني فكرة الخلافة الإسلامية والعمل على إقرارها، في وقت باتت مدينة سرت الليبية برمتها في قبضة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الذي يسعى إلى التوسّع في كامل شمال أفريقيا وبالمنطقة المغاربية بالتحديد، لهو تقاطع خطير في مستوى التلازمية القائمة بين التنظير والتطبيق.

دعوة الحزب في مؤتمره الرابع الذي عقد الليلة قبل الماضية بالعاصمة تونس، الجيش للانخراط في مشروع “الخلافة”، أمر خطير في الشكل والمضمون. ذلك أنّ المؤسسة العسكرية التونسية اختارت النأي بنفسها عن التجاذبات السياسية وعن الحساسيات الأيديولوجية الضيقة منذ تأسيسها في مستهل دولة الاستقلال، قبل أن يتعزّز هذا الخيار خلال الثورة ويتحوّل إلى عقد سياسي وفاقي بين كافة الأطراف، وكلّ داع لغير هذا الطرح يظلم الثورة، ويعارض مسار تطوّر الدولة وتقسيم السلطات في البلاد ويضع نفسه في دائرة الاتهام والخروج عن الوفاق.

إلا أنّ الأمر يزداد خطورة في ربطه بالمشهدية القتالية في المنطقة العربية ككلّ، حيث بات “تنظيم داعش”، المسوّق للخلافة البغداديّة على أسوار تونس الجنوبية الشرقية ليبيا خاصة، وعلى بعد مئات الأميال من حصون أفريقية الجنوبية الغربية، مالي خاصّة، وهو ما قد يمهّد لزحف داعشي على تونس من الجنوب يدبّج له فكريا وسياسيا وعسكريا أيضا، حزب التحرير من خلال الدعوة العلنية إلى استبطان مصطلحات “الجهاد” والخلافة” و”الخليفة”، وطواغيت العصر، وهي كلّها مصطلحات دارجة في المعجمية “الداعشية” و”التحريرية” على حدّ السواء.

“تبادل الأدوار” بين القائل “حزب التحرير” والقاتل “داعش”، له شواهد في سوريا، التي لا يزال يدعو الحزب إلى الجهاد فيها، حيث عمد حزب التحرير إلى التسويغ الفكريّ والدعائي للخلافة في حلب والرقة وإدلب وباقي المحافظات السورية التي تمكّن منها داعش، بعد أن بسط له تحرير سوريا أرضية التأييد في العقل والوجدان.

صحيح أنّ حزب التحرير يتبرأ من تنظيم داعش في الكثير من السياسات المعتمدة، ولكن التنديد لم يتجاوز مرحلة شجب العنف المقترف، ولم يبلغ درجة إخراج التنظيم الإرهابي من مشروع “الخلافة” وفق مقاربة التحرير، ما حوّل “الحزب” إلى حديقة خلفيّة للتنظيمات التكفيرية من “القاعدة” إلى “النصرة” ومنها لـ”داعش”، وما المهرجان الخطابي الذي نظمه الحزب في قبة المنزه بالعاصمة، وهنا يطرح سؤال آخر حول مشروعيّة تقديم رخصة الاجتماعات الشعبية العلنية لتيار سياسي قدّمت الحكومة السابقة في حقّه تنبيهات قويّة وصلت إلى حدّ التحذير، والذي رفعت فيه كافة الأعلام السوداء إلا إقرار بأنّ “التحرير” ليس سوى “تقيّة” داعشية في تونس لمزيد تأصيل مفهوم الخلافة على الطريقة البغدادية في تربة تعوزها النهضة الفكرية والنهوض الاقتصادي والاجتماعي.

المهمّ في هذا السياق، كامن في الخطوط العريضة المتفق عليها بين الفريقين ودغدغة الشعور الديني بعناوين “الخلافة العادلة” بين الناس والضامنة لحقوقهم وحرياتهم، وهي ديباجات سرعان ما تتهاوى كأوراق الخريف بمجرّد النظر في مآلات “الخلافة” في الرقة والموصل، والوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الراهن الذي تردت إليه محافظات “الربيع الداعشي”.

اللافت أيضا أنّ دعوة “التحرير” جاءت في سياق بحث الحلف الأطلسي ومن ورائه الولايات المتحدة عن موطئ قدم مستقر ودائم في شمال أفريقيا يمكنّها (أي واشنطن) من محاربة الهجرة السرية وتجارة السلاح و”مكافحة” التنظيمات التكفيرية، وليس غريبا أن تؤمّن مثل هذه الدعوات الأرضية لقبول التدخل العسكري الأطلسي في تونس ضدّ التنظيمات التكفيرية الساعية إلى إقامة “الخلافة”، وهنا أيضا يلعب “التحرير” من حيث يدري أو لا يدري دور “ذكر النحل” في العلاقات الدولية، ويقدّم التبريرات لاستباحة السيادة الوطنية ولمشروع “تعريب” الأطلسي وإقرار المصالحة العربية مع الدول الاستعمارية.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر