الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

الخميس 27 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10615

صهيونية في ظل الأهرامات: سنوات التمكين

النشاط الصهيوني في مصر كان متصلا بغيره على الجانب الآخر للمتوسط؛ ففي عام 1922 تأسس الاتحاد العالمي للشبان العبريين في باريس، وفي العام التالي تأسس فرع للاتحاد بالقاهرة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/06/16، العدد: 9950، ص(8)]

يلومنا أصدقاؤنا العرب على ضعف اهتمامنا بقضاياهم، ويجدون تفسيرا لهذه الحالة، ولكنهم يخجلون من اعتبارها “انكفاء”، ويراها بعضهم “اكتفاء” بما لدينا، وهو غزير وكثير على أمة واحدة، من الأعلام والآداب والفنون والآثار والتاريخ والأزمات والحروب التي تصير وقودا لآداب وفنون وأعلام لتدور الدائرة المصرية على ذاتها، فتصير أيقونة تعرف نفسها بنفسها، من دون الشعور بأزمة الاحتياج إلى قريب، لم يعد “آخر”، ولكنه جزء من دائرة حيوية، أو هكذا صارت في سنوات المد القومي الناصري، ثم تراجعت لارتباطها بشخص جمال عبدالناصر وانحيازاته.

في عامي 1933 و1934 زار الكاتب الفلسطيني نقولا زيادة مصر، وبهرته القاهرة، ولكنه سجل ملاحظة قاسية “لم يكن كثيرون من العاملين في مجال الفكر أو حتى في مجال السياسة في مصر، يعرفون ما فيه الكفاية عن قضية فلسطين وما يجري فيها. لكن أحمد زكي باشا، شيخ العروبة، كان يعرف”، وتأكد له ذلك بعد زيارته لشيخ العروبة أحمد زكي (1867 ـ 1934). ربما لم يتح للضيف أن يطالع ما كتبه كثيرون عن قضية فلسطين، منذ ثورة البراق (1929). ولكن الاختراق الصهيوني لمصر لم يحظ باهتمام كاف، لا في وقت وقوعه آنذاك، ولا بعد ذلك، ويكفي ما رصده كتاب “صهيونية في ظل الأهرامات”، الذي صدر في تل أبيب عام 2009، دليلا على تواضع البحث التاريخي في مصر.

ترصد روث كيمحي مؤلفة الكتاب تحول الحركة الصهيونية في مصر من العمل “الإصلاحي” إلى الميداني المسلح، ففي عام 1929 افتتح في القاهرة فرع “حركة الشبان الصهاينة السياسية والعسكرية” (بيتار)، وعدة فروع لحركات شبابية صهيونية أخرى. وبين عامي 1933 و1934 كانت هذه الحركات تهرّب إلى فلسطين بطرق غير مشروعة أعضاء “للالتحاق بما يعرف بسرايا العمل، بعد أن تلقوا تدريباتهم العسكرية في مصر”، ولم تغلق وزارة الداخلية فرع الحركة إلا عام 1944، وهذا ما دعا المؤلفة إلى القول إن الحركة الصهيونية العالمية كانت تعمل “بكل حرية، ولم تجرم قانونا” في مصر.

ففي عام 1928 قرر مدرس اللغويات بجامعة القاهرة يسرائيل بن زئيف، الذي توفي في القدس عام 2013 عن 106 أعوام، إقامة “النادي العبري” بالتعاون مع “الاتحاد العالمي للشبان العبريين”، وساعده شبان أوفدتهم الحركة إلى مصر، وأصبح هذا النادي “قلعة عبرية صهيونية حقيقية في مصر”، ويشرف على جمع تبرعات، ويلزم أعضاءه بالشراء بالشيكل. وخلال السنوات العشر التالية تأسست بضع روابط وجمعيات وتنظيمات، لم يكن آخرها “الاتحاد اليهودي بالقاهرة” (1937)، واتخذت من الأنشطة الرياضية والكشفية ستارا لجذب الشبان من يهود مصر إلى الحركة الصهيونية، بعد إعادة بناء شخصية الشاب “وفقا لروح الحركة الصهيونية وأيديولوجيتها”، كانت تلك الحركات ممرا ساقتهم عبره إلى الإيمان بضرورة إقامة “الدولة”. في ذلك العام، 1937، أنشأت حركة “الحارس الشاب” دارا للأطفال لإعدادهم منذ سن مبكرة.

تبدو مدن العالم مفتوحة يتنقل قادة الحركات الصهيونية بينها بالسهولة التي يتصفح بها قارئ هذا الكتاب، منقوصا من ذلك رعب يصيب القارئ من دقة التنظيم الصهيوني. ففي عام 1935 استقال زئيف جابوتنسكي من “الهستدروت الصهيوني العالمي”، وأنشأ “الهستدروت الصهيوني الجديد”، وطالب اليهود في الإسكندرية بتحويل تبرعاتهم إليه، وأقيم في الإسكندرية في فبراير 1935 “فرع رسمي للهستدروت الصهيوني الجديد”. وفي العام التالي عاد ستارا سليسكي من باريس وأصبح سكريتيرا لفرع الهستدروت بالقاهرة، وفي عام 1937 نظم حفلا في الإسكندرية حضره عشرات الآلاف من الصهاينة، احتفالا بقدوم جابوتنسكي من جنوب أفريقيا متجها إلى لندن، لتبلغ الحركة العام التالي “ذروتها في مصر. وتحولت إلى أشرس نشاط تعليمي بين الصهاينة حيث أخذت تدعو إلى ممارسة العنف والأعمال الحربية” في فلسطين.

تسجل روث كيمحي أن النشاط الصهيوني في بداياته لم يكن صداميا خشنا، بل جزءا من منظومة شبه ثقافية، تضم مؤسسات خيرية ومدارس بدأت بنشر اللغة والثقافة العبرية، منذ عرضت مسرحية “داود وجولييت” عام 1916، وكانت الحركة تمول، من عائد تلك المسرحيات، عمليات شراء الأراضي في فلسطين. وكان النشاط الصهيوني في مصر متصلا بغيره على الجانب الآخر للمتوسط؛ ففي عام 1922 تأسس “الاتحاد العالمي للشبان العبريين” في باريس، وفي العام التالي تأسس فرع للاتحاد بالقاهرة، ضمن نحو 20 فرعا في الدول الإسلامية، تهدف إلى تنظيم الشبان اليهود في إطار عالمي موحد، ومنع انخراطهم في المجتمعات، وإذكاء روح التضامن بينهم.

كان يهود مصر يتبرعون سنويا بأكثر من 100 ألف جنيه، ويستثمرون نصف مليون جنيه في مشروعات في فلسطين. ومنذ بداية عام 1943 سارعت الحركة الصهيونية إلى تنفيذ مشروعها على أرض فلسطين، بتشكيل اتحاد يضم الحركات العاملة في مصر، وأسندت الوكالة اليهودية إلى ليئون كاسترو رئاسة “اللجنة المؤقتة للاتحاد الفيدرالي الصهيوني في مصر”، والذي تولى مهمة تدريب الشبان وتأهيلهم، استعدادا لإرسالهم إلى فلسطين. وفي مؤتمر صحفي بفلسطين عام 1944 وجه كاسترو هجوما على حزب الوفد الذي ينادي بالوحدة العربية، وأشاد بتبرعات اليهود المصريين، فأثارت هذه التصريحات غضب الشارع والأحزاب بمصر، إذ رأت صحيفة “البلاغ” في هذه التصريحات “جريمة شنعاء في حق مصر”، وقالت صحيفة “فلسطين” في القاهرة إن الملايين التي استثمرها يهود مصر في المشروعات الصهيونية في فلسطين، ألحقت أضرارا بالغة بمصر وفلسطين.

وتقول الباحثة إن كاسترو واتحاده أصبحا هدفا للأجهزة الأمنية المصرية والاستخباراتية البريطانية التي “تدس أنفها في الاتحاد الفيدرالي الصهيوني”، وترسل تقاريرها إلى قياداتها في لندن والخارجية البريطانية. وتقول إن نائب قائد الشرطة بالقاهرة “كان مجنّدا من قبل القسم السياسي بالوكالة اليهودية بالقدس ومن قبل جهاز الاستخبارات التابع لمنظمة الهاجاناه”، وتمكن عضوان من منظمة إرهابية صهيونية، يستخدمان هويات مزوّرة خاصة بالجيش البريطاني، من قتل المندوب السامي البريطاني المقيم بالقاهرة “اللورد موين”، في نوفمر 1944، والمفارقة أن السلطات البريطانية لم تغلق مكاتب المؤسسات الصهيونية في مصر، عقب الاغتيال، “وإنما اكتفت بحظر عقد المؤتمرات والاجتماعات” لكي تمتص غضب المصريين.

السؤال الآن: هل كان في مصر “دولة”؟ سأحاول إعادة قراءة هذه السطور رغم جفاف المعلومات، ليتـأكد لي أنها تخص ذلك التنظيم الدولي، وليس شيئا آخر.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر