الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

الثلاثاء 30 مايو/ايار 2017، العدد: 10648

أدب عابر للزمان

موضوع الحب يبرز، باعتباره القيمة الإنسانية النقيض، لنوازع الشر عند الكائن البشري بصورة تكشف معه عن البعد الجدلي الذي كان وما زال يحكم الذات والوجود الإنسانيين.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/06/16، العدد: 9950، ص(15)]

أعمال أدبية كثيرة استطاعت أن تحافظ على خلودها، ومكانتها المتقدمة في المشهد الأدبي العالمي عبر مراحل التاريخ المختلفة، دون أن يفقدها الزمن وما رافقه من تحولات وتبدلات في الثقافة وحياة المجتمعات شيئا من قيمتها، على خلاف الكثير من الأعمال الأدبية الأخرى، التي لم تستطع أن تمتلك مثل هذه القدرة على الحياة العابرة للأزمان.

عوامل وأسباب عديدة تقف في خلفية هذه الظاهرة، وتفسر ديمومة استمرارها، لعل أهمها قدرة تلك الأعمال على تحقيق المعادلة الناجحة، على صعيد تكامل العلاقة بين الشكل والمضمون، أو بين الجمالي والفكري تعززها موهبة قادرة على التقاط الجوهري في النفس والسلوك الإنساني.

العامل الآخر الذي لا يقل أهمية عن العامل السابق، هو قدرة هذه الأعمال على تكثيف أسئلة البرهة الوجودية بأبعادها التراجيدية، المفتوحة على عري الذات الإنسانية، سواء عبر انكشاف ضعفها أمام شرطها الوجودي، أو عبر شعورها الحزين بالانكسار والهزيمة أمام استمرار نوازع الشر والجريمة والخيانة والقتل داخل الشخصية الإنسانية، ما يمنح الحياة هذا البعد التراجيدي القار، وكأنه اللعنة التي تلاحق هذا الوجود.

على الجانب الآخر يبرز موضوع الحب، باعتباره القيمة الإنسانية النقيض، لنوازع الشر عند الكائن البشري، بصورة تكشف معه عن البعد الجدلي، الذي كان وما زال يحكم الذات والوجود الإنسانيين، ويعبر عن هذه الثنائية القطبية، التي ينشأ عن الصراع في العلاقة بينهما التوتر الدرامي الذي يسم علاقة الإنسان بالحياة.

من كعب أخيل وحصان طروادة وملحمة جلجامش، إلى أوديب ملكا ويوليوس قيصر وهاملت والجريمة والعقاب والطاعون، وقبل كل هذا حكايات قابيل وهابيل ويوسف وإخوته، كان الأدب على اختلاف مسمياته يبحث ويسأل وينقب ويعرّي، بينما الذات الإنسانية تواصل جريمتها الأولى، أو خيانتها الأولى ونزوعها إلى القتل بفعل الغيرة أو الحسد أو رغبة السيطرة والتملك، بينما يواصل نشيد الأناشيد وروميو وجولييت وحكايات الشعراء العذريين تجسيد البعد السامي والنقيض لوجه الحياة التراجيدي.

هذه القيمة الرمزية العالية والاستثنائية لشخصيات تلك العمال الأدبية والقصص الديني، هي ما حاول الشعر العربي المعاصر توظيفها، وشحن نصه بأبعادها الدلالية الكبيرة، سواء من خلال استعارة أقنعتها، أو استدعاء شخصياتها ووقائعها وفق رؤية معاصرة، تعيد بناءها بصورة تصبح معه قادرة على التعبير عن قضايا الواقع المعاصرة.

إن هذه القيمة الجمالية العابرة للزمن لا ترتبط بشخصيات أبطالها، بقدر ما هي ترتبط بالموقع الذي تحتله تلك الشخصيات في هذه الأعمال، والأدوار التي لعبتها، في هذه الدراما الوجودية المتجددة، التي تتمثل الحياة والنفس الإنسانية في جدلها المفتوح على وجهيها المعتم والمشرق معا.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر