الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

فضائية تبحث عن ضمير مهني

حقائق بديهية يقوم عليها العمل الإعلامي وهي في الحقيقة أخلاقيات توجب قدرا من الالتزام تجنبا لأي آثار مؤذية للمجتمعات ولمعتقداتها وثقافاتها.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2015/06/16، العدد: 9950، ص(18)]

ينطلق العمل الإعلامي من مواثيق وقيم تسهم في تنمية المجتمعات وترسيخ لحمتها ويصبح الضمير الإعلامي هو المعيار، وما ميثاق الشرف الإعلامي إلا بوصلة تنظم مسار هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك.

لكن السؤال هو هل لهذه المصطلحات من وجود أمام بعض من ينشئون القنوات الفضائية ومن يمولونها ومن يديرونها اليوم؟ وهل قرأوا بنودا محددة عليهم الأخذ بها كدليل ومنهاج عمل قبل أن يطلقوا العنان لأخبارهم وبرامجهم؟

لاشك أن الالتزام الوحيد – الاضطراري – هو ذلك الالتزام بما تحدده إدارة القمر الصناعي من حقوق مالية واعتبارية، ولولاها لما كانت هنالك بنود قانونية ولا أخلاقية تحكم العملية برمتها وإلا كيف نفسر هذا الاستسهال في إطلاق الفضائيات حتى صار الفضاء العربي مزدحما بهذا الكم الهائل منها، فهل يحتاج المواطن العربي حقا إلى هذا العدد الكبير الذي قارب الألفي قناة فضائية؟ وهل تتوفر عمليات مسح تكشف عن جمهور هذه القناة أوتلك؟ كم هي أعدادهم؟ وأين يتواجدون؟ وما هي الرسالة الإعلامية التي يتلقونها من مشاهدتهم الفضائية؟

تلك الأسئلة في باطنها أسئلة أخرى لا يملك أحد الإجابة عليها لسبب بسيط هو غياب الدراسات المسحية التي تحدد الجدوى من هذه الفضائية أو تلك، وما هي النتائج التي حققتها إعلاميا، ولهذا بقي الأمر أسير من يملك ومن ينفق من ملايين على هذه الفضائيات التي تزعق ليل نهار ويختلط فيها الغث بالسمين.

هنالك حقائق بديهية يقوم عليها العمل الإعلامي وهي في الحقيقة أخلاقيات توجب قدرا من الالتزام تجنبا لأي آثار مؤذية للمجتمعات ولمعتقداتها وثقافاتها وما إلى ذلك، ولكننا صرنا نشهد خلاف ذلك تماما، فضائيات تنكل ببعضها وتترصد بعضها ولا شغل لها إلا تسجيل برامج وأخبارا تعرضها القناة الخصم لغرض تفنيدها وتكذيبها والسخرية منها، ولعل السؤالين اللذين يفرضان نفسيهما هما ما الجدوى من كل هذا العمل؟وما الفائدة التي سيجنيها المشاهد وهو يتلقى هذا الركام اليومي؟

في واقع الأمر إن هي إلا صورة أخرى ووجه آخر من الصراعات السائدة في عالمنا العربي اليوم غير منفصلة عنها، فكما أن هنالك خصوما في السياسة فإن هنالك خصوما في الإعلام يجب ترصدهم ومراقبة خطابهم وتفنيده كلما وجدت الفضائية لذلك سبيلا. في وسط ذلك وجدنا أن تلك المساحات الكثيفة للبث بكل ما تعنيه من إنفاق صارت مساحات سائبة لا يضبطها ضابط ولا تحكمها خطة ورؤية إعلامية واضحة، بل هي اجتهادات يومية ينتج بعضها بعضا حسب ما هو متوفر في سوق الصراعات والمماحكات وزيادة درجة حرارة الخصومة.

وسيعاد السؤال مجددا، ترى إلى أي حد ستلتزم هذه الفضائية أو تلك بميثاق الشرف الإعلامي والضمير الإعلامي لاسيما وأن هنالك خطابا إعلاميا صرنا نسمعه فيه كثير من التدليس والمبالغة لا لشيء إلا لغرض استقطاب جمهوره وتهييجه عاطفيا، ذلك الجمهور الذي يراد له أن يكون رقما هائما يوفر للفضائية رضى زائفا بأن لها جمهورا ولو كانت عائلات العاملين في الفضائية هم الجمهور لا غير.

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر