الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

الجمعة 21 يوليو/تموز 2017، العدد: 10698

لحمة ولاّ فراخ بموجب ويندوز

اللغات لا تعبث، اللغات تضع كلمات لما هو موجود ومحسوس وحتى متوهَم. يبدو أن الأمر متفش وهو جزء من ظاهرة أوسع وأن له اسم هو 'الملاوعة'.

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/06/16، العدد: 9950، ص(24)]

هناك نوع من الخيار (بمعنى ما تختاره لا بمعنى ما تشتريه بالكيلو من سوق الخضار) يسمونه بالإنكليزية خيار هوبسون، هو في الواقع لا خيار. وهناك أيضا حكاية تقول أن الأسد والثعلب اصطادا غزالا وأرنبا وجلس الأسد يوزع الغنيمة. قال للثعلب إذا أردت الأرنب فخذ الأرنب وإذا تريد الغزال خذ الأرنب. هذا نوع من خيار هوبسون.

مناسبة الحديث هي أني كنت في القاهرة وأردت من المطعم القريب أن يمدني بصحن شاورمة يرسله إلى الشقة. عندهم العنوان وكل شيء. طلبت ممن يتلقى الأوامر، ويقولون عنها الطلبات، أن يرسل صحن شاورمة وعددا من السلطات. فسألني الرجل: هل تريد شاورمة لحمة ولاّ فراخ؟.

كنت جائعا تماما ومستعدا لالتهام شاورمة بامية أو حتى خس. فقلت: لا فرق، أريد شاورمة بسرعة ولا تهمني فراخ أو لحمة، أي شيء المهم سرعة التوصيل. قال الرجل بشيء من النرفزة: حضرتك لازم تحدد. لا أستطيع أن أقبل الطلب دون تحديد. دون أن تحدد لن تكون هناك شاورمة لحمة كانت أو فراخا.

كان حازما وقاطعا. فكرت بسرعة وحسمت أمري وقلت: إذن فلتكن لحمة. هنا قال: حضرتك مفيش لحمة. عندنا فراخ فقط.

هذا نموذج بارع لكنه يُغضب فعلا لخيار هوبسون. ما معنى كلام الخمس دقائق الفائتة؟ ما معناه؟ لعنت البائع والمطعم والظروف وجلست أنتظر شاورمة الفراخ مع السلطات. المشكلة هي أن خيار هوبسون هذا أطل برأسه لحظة وصولي البلاد ولم ألق له بالا. حين خروجي من المطار كانت هناك سيارة في انتظاري. سائقها سألني ما إذا كان التبريد كافيا وأن أخبره إذا كنت أريده أن يزيده. اخترت الزيادة بلؤم لا لشيء إلا لأني لمحت مؤشر درجات التبريد وكان يشير إلى الحد الأقصى. فقال السائق إن التبريد في السيارة هو الأقصى ولا يمكن أن يزيده. لماذا إذن عرض أن يعلّي التبريد؟

هذا ضرب من السلوك له اسم في مصر. والناس لا تطلق أسماء على شيء غير سائد وغير دارج. اللغات لا تعبث. اللغات تضع كلمات لما هو موجود ومحسوس وحتى متوهَم. يبدو أن الأمر متفش وهو جزء من ظاهرة أوسع وأن له اسم هو “الملاوعة”.

ورغم غرابة شأن اللحمة والفراخ وخيار هوبسون، تردد في ذهني صدى لشيء آخر يشبه هذا. ثمة شيء في سياق آخر تماما لكنه وفق نفس القاعدة. فكرت في الأمر ولم أصل إلى شيء وظل شأن اللحمة والفراخ عالقا في الذهن، لكنه يعود بين حين وآخر مثل وجع الضرس.

فجأة تذكرت بيل غيتس. تذكرت أن نظام ويندوز يفعل الشيء نفسه. تعدل في وثيقة على الكومبيوتر وتريد حفظها فيسألك “هل تريد حفظ التعديلات على الوثيقة؟”، فتكبس على الموافقة فيقول “لا يمكنك حفظ التعديلات”. لماذا عرض ويندوز خيار حفظ التعديلات. إنها الملاوعة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر