الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

زمن حاجو آغا

لا يصعب على الإنسان تلطيف الحقائق كأن يقول إن داعش تصوم وتقوم، ولا تذبح ولا تسلخ، أو أن يقول إن أميركا صادقة في دعم الديمقراطيات في العالم وبالأخص حلفائها العرب.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2015/06/19، العدد: 9953، ص(24)]

تغيرت عليّ الأجواء في رمضان، بعد أن تم تكبيل الشياطين، فصار يتوجب على المرء الحدّ من انتقاده للآخرين، والتقليل من الحرية في تناول هذه أو تلك من الظواهر في العالم، وخاصة في عالم الشعوب المسلمة، التي دخلت منذ الأمس أجواء روحانية عطرة.

ولا يصعب على الإنسان تلطيف الحقائق، في هذه الحالة، كأن يقول إن داعش تصوم وتقوم، ولا تذبح ولا تسلخ، أو أن يقول إن أميركا صادقة في دعم الديمقراطيات في العالم وبالأخص حلفائها العرب، وأن السنة والشيعة كالسمن على العسل، وأن براثن إيران، تلك الدولة المسالمة، تريد بنعومة كل الخير للعرب والأكراد، وتناصر المظلومين في كل مكان من أنحاء الشرق الأوسط.

أما العرب والأكراد فهم أمة واحدة، في العراق وسوريا، لا يفرّقهم شيء، يجمعهم صفاء الذهن في رمضان، وتشع من قلوبهم نورانية المقاتلين الذين يرغمون العربي، بعقاله وحطّته، على الانحناء لتقبيل العلم الكردي، كما في الصور المنتشرة، أما عربنا فهم في أرقى درجات التطور والتعايش والوعي الاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

ومن مناخات رمضان الإيمانية، أنه كان في الجزيرة الفراتية، رجل نبيل عظيم القدر، ليس كرعاع اليوم ممن يرفعون أصواتهم بالعنصرية والكراهية من كل جانب، تولى زعامة قومه ونال احترامهم، كان اسمه حاجو آغا، وكان صديقاً تاريخياً لأسرتنا في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، داهية وسياسياً محنكاً. قال يوماً للكابتن الفرنسي في الحسكة، كما روى الشاعر الكبير جكر خوين أنه ولأن فرنسا دخلت الحرب، فنحن أيضاً نريد أن نقدم عشرة آلاف مقاتل كردي، عليكم فقط تقديم السلاح والضباط لنا”، لكن الفرنسيين ردّوا بأن بلادهم لو وافقت على تسليح عشرة آلاف كردي غير مدرّب، لاكتسبت بذلك عداء الأتراك والعراقيين والسوريين العرب. ولأن مصلحة فرنسا فوق كل اعتبار، فهي لن توافق على عرض الآغا، الذي عضّ على شفتيه وقال “والله يا جكر خوين إنه الوحيد الذي يقول الحقيقة”.

وكان حاجو أغا معتاداً على ممازحة البسطاء من قومه، ليظهر كبرياءهم ونزقهم من السلطة، مهما كانت. وفي ليلة من ليالي الشهر الفضيل، سهر عنده وجهاؤنا حتى السحور، وحين أذن الفجر قام أحد فلاحيه الأميين لأداء الصلاة، وكان المذهب الشافعي يفرض الجهر بالنية قبل الصلاة لفظاً مسموعاً، فقرر الآغا نصب فخ للرجل، فاختبأ خلف ستارة، ولما وقف الرجل على سجادة الصلاة وقال بالكردية “أز بِنَيتِم أز دو ركعيان جى خودا ره نِميج بكم لِسَر نيتا قبولِه” (أي ما معناه: نويت أن أصلي صلاة الفجر ركعتين لوجه الله تعالى على نية القبول)، ثم قال: الله أكبر، فقال حاجو آغا بالكردية بصوته الرخيم “قبول ناكي” أي “لم نتقبل منك”، فارتعد الرجل، وظن أن الصوت هو صوت أحد الملائكة، يبلغه بأن صلاته مرفوضة، فأعاد النية من جديد، وحين انتهى من لفظها، كرّر الآغا “قبول ناكي” فغضب الرجل، وصرخ “قبول ناكي في جهنّم” ورمى سجادة الصلاة بعيداً مقطّباً حاجبيه، صارفاً النظر عن الصلاة كلها.

عرف حاجو آغا أن صلاة الجاهل، مثل حرب الجاهل، لا تقدّم ولا تؤخر، فاختصر الطريق من عنده، في ليلة من ليالي رمضان.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر