الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الكذب ملح الرجال

أعظم تجليات الكذب هي أكاذيب العصر الحديث في القرن العشرين وهذا الذي نعيش عشريته الثانية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/07، العدد: 9343، ص(24)]

لم تشعر الشعوب بحَرَج من الكذب، بل زادت في قبوله ووصفه بأنه أعظم سمات الشعر، فقالت العرب (أعذبُ الشعرِ أكذَبُه)، واشتهر فرسان الجزيرة بسرد مغامراتهم في لياليها، ما لم يكن حتى عقل ذلك الزمان يقبل به، ولم يكن هذا يمنع الخلفاء من مطالبتهم بقصّ تلك الحكايات وإعادتها مرارا وتكرارا، فكان الخليفة عمر بن الخطاب أكثر الناس تسامحا مع أحاديث عمرو بن معديكرب الخيالية، رغم معرفته بكمّ المبالغة الكبير فيها، ولكنها كانت تغضبه في النهاية، حتى أنه أراد تطبيق حد القتل العمد بلا ذنب على عمرو، بسبب إحداها، لولا أنه تمالك نفسه واستذكر مِلحَ الرجال.

واستمر الكذب عبر العصور، نوعا من الحديث المليح، لكن أعظم تجليات الكذب هي أكاذيب العصر الحديث في القرن العشرين وهذا الذي نعيش عشريته الثانية، فحين اختلطت مفاهيم السياسة والفنون والثقافة وحياة الناس والإعلام والآداب، صار الكذب جزءا من منطق وبراعة السياسيين والمثقفين، ولذلك فإنه أخذ شيئا فشيئا يتحوّل إلى واصف للحقيقة وإن كان نقيضا لها، فكان صديقنا الفنان التشكيلي الفلسطيني المصري الكبير مصطفى الحلاج والذي توفي وهو يحاول إنقاذ مرسمه من النيران، لا يتردّد في إرخاء حبل الكذب طويلا، في سبيل إيصال الفكرة، ولم يكن أحدٌ من المستمعين يعترض عليه، فالحلاج المولود في العام 1942 في فلسطين، كان يتسلّق هو والموسيقار المصري زكريا أحمد أسوار قصور الباشوات كي يسترقا السمع إلى صوت أم كلثوم في العام 1931! وفي العام 1955 حضر جمال عبدالناصر لافتتاح معرضٍ فني للحلاج في القاهرة، فهمس في أذن الحلاج: إيه رأيك يا حلاج نعطي السد العالي للروس وإلا للأميركان عشان يبنوه! وفي موسكو اقتحم الرئيس غورباتشوف معرضا آخر للحلاج وأخذه جانبا وقال له: إيه رأيك يا حلاج…أعمل البيروسترويكا دلوقتِ وإلا بعدين؟..فأجابه الحلاج: والله دي بلدكو وإنتو حرّين فيها!

ونبقى في موسكو ولكن بعيدا عن الحلاج، فقد نقلت صحافة الخمسينيات عن الرئيس السوفيتي الأسبق خروتشوف قصة كذب فيها بهدف تحسين صورة بلاده حين روى أن رجلا من عامة الشعب، اقتحم الكرملين هاتفا (خروتشوف أحمق…خروتشوف أحمق) فقامت المخابرات بالقبض عليه، وحكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة عام بتهمة اقتحام موقع رسمي بلا إذن، وبالسجن عشر سنوات لإفشائه سرّا من أسرار الدولة الشيوعية العظمى!

ولا يبدو أن الرئيس بوتين يكترث اليوم إذا ما تمّ إفشاء سرّ الحماقة الروسية، فهو بدعمه جرائم بشار الأسد، سيعبث بمكانة ومصالح روسيا لدى شعوب المنطقة العربية، وإلى الأبد.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر