الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

نار السلطة تشعل الصراع بين القادة الشيعة في العراق

الصراع بين الأحزاب الإسلامية الشيعية أكبر مما يعلن، حيث تصمد دوافع الحس العروبي لشيعة العراق في وجه هيمنة التيار الفارسي وولاية الفقيه التي تتعزز بواسطة الحشد الشيعي.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2015/06/22، العدد: 9956، ص(8)]

الأحزاب الإسلامية الشيعية في العراق تعرضت لانشقاقات وخلافات وصراعات عميقة منذ أوائل الستينات من القرن العشرين. كانت، وما زالت، قضيتا المرجعية العروبية وولاية الفقيه من أبرز عناصر الخلاف والصراع، ثم أصبحت قصة الهيمنة على الحكم في العراق الخطر الحالي والمستقبلي الأبرز على التنظيمات الشيعية.

غالبية مرشدي هذه الأحزاب من الفرس مثل محمد مهدي الآصفي (وهو فارسي) الذي هيمن على حزب الدعوة وحوله إلى تابع لولاية الفقيه بعد عام 1978، إلى جانب كاظم الحائري وهو فارسي أيضاً، ثم خـرج الآصفي من حزب الدعوة وشكل المجلس الأعلى الذي قاده فيما بعد الراحل محمد باقر الحكيم. لكن الخط الفكري لمحمد باقر الصدر الذي خرج من حزب الدعوة ظل مصدر إلهام لغالبية التنظيمات والحركات اللاحقة، وكان من قادته الأوائل العروبيين إلى جانب الصدر محمد شمس الدين ومحمد فضل الله.

حصلت انشقاقات كثيرة داخل حزب الدعوة عبر تاريخه وأكبرها بعد استلامهم للحكم في العراق عام 2003، فقد انشق من خط (البصرة) عزالدين سليم الذي اغتيل عام 2004، وآخرها انشقاق عبدالكريم العنزي عام 2009، ثم تنحية ابراهيم الأشيقر (الجعفري) من قبل نوري المالكي الذي هيمن على الحزب.

لقد تراجعت الحملة الدعوية لحزب الدعوة (تأسيس الدولة الإسلامية الشيعية) معتقداً أن الحكم الحالي هو التعبير الواضح لهذا المنهج، لكن السلطة أصبحت حارقة لمشروع هذا الحزب وعلامة النكسة الهائلة في مستقبله. لم يكن قادة هذا الحزب واثقين من قيادتهم للحكم في العراق خلال الاستعدادات الأميركية لاحتلاله، ولهذا رفضوا تكتيكياً المشاركة في مؤتمر المعارضة عام 2002، وحين تم إعطاؤهم التطمينات الكاملة لقيادة الحكم اندفعوا لمساندة الاحتلال العسكري وشرعنته والوقوف ميدانياً إلى جانبه ضد المقاومة الوطنية العراقية. ودخلت إيران للتأثير على سياسة الحكم الجديد خصوصا في تصفية ما سمي بمخلفات النظام السابق، وهي الجيش العراقي الوطني والمؤسسات الأمنية والمدنية للدولة العراقية.

منذ عام 2005 رسخت القيادات الشيعية قيادتها للحكم عبر شراكة اتضح فيما بعد أنها شكلية بين مجلس الحكيم ومقتدى الصدر، حيث يختفي خلف شعاراتها الإعلامية عمق الصراعات التاريخية حول محاور (الخط الشيعي العروبي) الذي أصبح مقتدى الصدر رمزاً له، ومشكلة ولاية الفقيه غير الواضحة لدى كل من (مجلس الحكيم والدعوة) بسبب الهيمنة المتزايدة لإيران داخل العراق.

عزز احتلال داعش منتصف عام 2014 لبعض المناطق حالات الشحن والصدام بين الحكيم والصدر والمالكي بعد بروز الحشد الشعبي كقوة قتالية يعتقد المالكي أنها بيده

لكن مزايا السلطة ومكاسبها ومن الذي يقودها، حزب الدعوة أم مقتدى الصدر أو الحكيم، أصبحت هي محور الأزمات والصراعات والتنافس، سواء من خلال الانتخابات العامة أو مجالس المحافظات. حيث فرض خلالها المالكي هيمنته الكبيرة في استثمار ذكي للسلطة وأدواتها في السيطرة الأمنية والعسكرية، مما أدى إلى ردود فعل قوية لدى كل من الحكيم والصدر تمثلت في عملهما على تنحيته من الولاية الثالثة للحكم عام 2014 واستبداله بحيدر العبادي من داخل حزبه.

الأمثلة كثيرة على تصاعد الصراع والتنافس على رئاسة السلطة التنفيذية بين الحكيم والصدر مقابل المالكي، فيما يقف العبادي وسط دوامة الصراع، وهو لا يمتلك قوة التأثير في اتجاهات ذلك الصراع، فهو ابن حزب الدعوة الذي يقوده المالكي. كما أن السلطة التشريعية (البرلمان) والممنوحة لمن يدعون تمثيل العرب السنة لا أهمية لها في مسيرة الحكم، وهي عبارة عن جسر تشريعي ونادٍ إعلامي لإبراز القوة والنفوذ يظهر فيها (العرب السنة) كاليتامى التائهين لا يعرفون من يوالون في ميزان القوى النافذ للحكم في العراق وهو التحالف الشيعي، وليس لهم قرار مبدئي قد يطيح بمكاسبهم الذاتية تحت شعارات كاذبة (تمثيل مظالم العرب السنة) وأغلب قادتهم مزدوجي الولاءات السياسية يأخذون المال من عرب الخليج، مع شحته هذه الأيام بعد امتلاء الجيوب ولم يقترب موسم الانتخابات، ويقدمون الولاء لإيران، وهناك وقائع معروفة تؤكد ذلك.

من أبرز الأمثلة العلنية على الصراع والتنافس على المستويين العسكري والسياسي بين الأطراف السياسية الشيعية هي:

- عام 2007 أجبر المالكي، عسكريا، جيش مقتدى الصدر على الخروج من البصرة وقتل واعتقل المئات من أنصاره.

- حصول مصادمات ميدانية كثيرة بين الأطراف الثلاث مثلما أعلن عن قيام مجموعة من مليشيات حزب الله العراقي الذي يقوده أبو مهدي المهندس بالاعتداء على أحد المكاتب الرئيسية لمجلس الحكيم بالبصرة.

- عزز احتلال داعش منتصف عام 2014 لبعض المناطق حالات الشحن والصدام بين الأطراف الثلاثة (الحكيم، الصدر، المالكي) بعد بروز الحشد الشعبي كقوة قتالية يعتقد المالكي أنها بيده، بعد انشقاق عصائب أهل الحق عن مقتدى الصدر، و“بدر” بقيادة العامري عن مجلس الحكيم، وتحوّل العامري إلى ورقة قوية بيد المالكي في وجـه كل من الحكيم والصدر، حيث رشحه أخيرا لرئاسة التحالف الشيعي بعد يأسه من إمكانية حصوله على هذا المنصب، وكذلك منصب قيادة الحشد الشيعي. رغم ما يقال عن القيادة الفعلية لقوات الحشد الشيعي من قبل أبو مهدي المهندس.

لقد انتقلت هذه المعارك السياسية إلى الشارع الشيعي ووسائل الإعلام، فالصدر أعلن عن تصديه للمالكي وللميليشيات المسلحة المنضوية تحت الحشد الشيعي، وكذلك النقد القوي من الحكيم للمالكي. الخلاف والصراع الداخلي والعميق هو أكبر بكثير مما يعلن، حيث تصمد دوافع الحس العروبي لشيعة العراق في وجه هيمنة التيار الفارسي وولاية الفقيه التي تتعزز عسكرياً بواسطة الحشد الشيعي، والمقبل من الأيام قد يخفي الكثير حول منصة السلطة التي تشتعل النار من بواطنها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر