السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

صهيونية في ظل الأهرامات: التنظيم السري

الكثير من الأعمال الفنية لجأ إلى تسطيح ينظر إلى يهود مصر قبل عام 1948 ككتلة متجانسة، دون تفريق بين يهودي مصري من أبناء البلد وليس له وطن آخر، ويهودي من جالية دينها التجارة.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/06/23، العدد: 9957، ص(8)]

في هذه الوقفة الثالثة والأخيرة مع كتاب “صهيونية في ظل الأهرامات”، خيل إليّ أنني قرأت هذا الكلام، فأسعفني كتاب “التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين”، وفيه سجل علي عشماوي، أحد قادة التنظيم السري، سيرته وعلاقته بالتنظيم وأعضائه تحت قيادة “الأستاذ” سيد قطب. تجاور كتابا روث كيمحي وعلي عشماوي، حتى أمكنني التنقل بينهما، وقراءة فقرة من هنا، وإكمال المعنى بقراءة فقرة من هناك، دون أن أحدد أي الكتابين هو “الهنا”، ليكون الثاني هو “الهناك”.

يسجل عشماوي طقوس البيعة، خلف ستار، في جو معتّم، وتبدأ باستعراض تاريخ الجماعة وأهدافها، ثم “إحضار مسدس ومصحف، وتتلاقى الأيدي على المسدس والمصحف ويتم القسم، وهي بيعة لله على السمع والطاعة للجماعة وقادتها”، ويبدأ التدريب على استعمال المسدس وفك أجزائه وتركيبه، ثم التدريب على أنواع أخرى من المسدسات والقنابل. وكان حسن البنا “يعتبر أفراد النظام الخاص هم التعداد الحقيقي للإخوان المسلمين”.

وتسجل روث كيمحي طقوس “يمين الولاء”. كان ممثلو المؤسسات الصهيونية في مصر قد طالبوا منظمة “الهاجاناه”، في أكتوبر 1945، بضرورة إرسال مبعوث خاص لتنظيم الشبان الصهاينة في إطار عسكري وتدريبهم على أعمال القتال، فاستجابت الهاجاناه بإرسال “شلومو حافيليو” في ديسمبر 1945، وعلى الفور تعاون مع مسؤول حركة “مكابي الرياضية” على تشكيل أول فرقة قتالية حلمت اسم “الإطار”، وكان أعضاؤها يختارون بعناية، على مراحل تنتهي بإجراء مقابلة شخصية للعضو المرشح للتجنيد، فيجلس وراء ستار، ولا يرى من يجري له المقابلة. وبعد نجاح المرشحين في الاختبار “كانوا يؤدون اليمين على التناخ (التوراة) وعلى مسدس”. وعلى سبيل التمويه ضم التنظيم فتاتين، لكي يبدو كأنه تنظيم اجتماعي.

يروي علي عشماوي أن أعضاء التنظيم السري كانوا يتدربون على السلاح في القاهرة والمحافظات، وأنه تولى شؤون التسليح والتدريب، وكلف “مبارك عبدالعظيم” باختيار بعض أعضاء الجماعة من خريجي كلية الهندسة، لإنجاز “أبحاث في صناعة المفرقعات… تحت إشرافي مباشرة”، واشتروا أسلحة وقنابل يدوية من مدينة طنطا عن طريق “الأخ أحمد سلام، وكانت له علاقة بالجيش”، واستعانوا بكتب خاصة في صناعة المفرقعات، ولجأ إلى مكتبة السفارة الأميركية للبحث عن هذه الكتب “ووجدت بعضها ونقلت منها بعض الموضوعات”، وخصوصا صناعة مادة “تي. إن. تي”. ويستعرض قيام أحد أعضاء التنظيم، ضمن مجموعة تعمل في لجنة الطاقة الذرية في أنشاص، بصناعة مواد شديدة الانفجار، باستخدام نيترات الأمونيوم مع السولار، “وكانت تحت أيديهم الإمكانات الخاصة بالأفران”، وتمت تجربة “العينات” في محاجر منطقة أبو رواش في الجيزة، بوضع العبوة تحت حجر ضخم، حجمه ثمانية أمتار، فتحول إلى “بودرة… كانت النتيجة مذهلة وغريبة جدا”.

وتروي روث كيمحي أن أعضاء فرقة “الإطار” العاملين في القاهرة والإسكندرية كانوا يتـدربون على أساليب العمل واستخدام الأسلحة البيضاء والخفيفة، بالقرب من الأهرام يوم الأحد أسبوعيا، أما التدريبات بالذخيرة الحية ففي الصحراء بين القاهرة وحلوان، بحضور “فتيات صهيونيات ويهود أميركيين معهم بنادق صيد للتمويه، ولعدم إثارة الانتباه جراء استخدام الأسلحة النارية الحية”، واتخذ التنظيم “مخابئ سرية مركزية تحت الأرض”، أحدها في فناء مزرعة للألبان قرب الإسكندرية، حيث تصل الأسلحة إلى المخبأ داخل أواني الألبان الكبيرة.

يقول عشماوي إن أعضاء التنظيم السري للإخوان كانوا يتلقون دروسا وتدريبات على أعمال المراقبة والتعقب، “وكلها كانت تدرس لأعضاء مخابرات الإخوان” الذين يعدون تقارير عن “حركة الجيش وتحركات السفارتين البريطانية والأميركية” بالقاهرة.

وتقول روث كيمحي إن حضور “شلومو حافيليو” إلى مصر في نهاية عام 1945، مندوبا لمنظمة كتائب الشباب الطليعي “البالماح”، وكذلك “روفائيل ركناتي” مندوب مؤسسة التهجير، كان وراء قرار إنشاء محطة لاسلكية في مصر، وأن “تسفي بيت دين” الفني في جهاز الاتصالات بالهاجاناه جاء إلى القاهرة يوم 29 يناير 1946 لهذه المهمة، وأنشأ المحطة في “جارسونير” بوسط القاهرة، وهي شقة يسكنها عزاب في شارع سليمان باشا. وبدأت البث في مارس 1946. وغادر “تسفي بيت دين” مصر تاركا “عزرائيل ترابيتشي” عامل اللاسلكي تحت قيادة “ليفي أفراهامي”. وفي فترة لاحقة استعانوا بعضو في فرع منظمة الهاجاناه، وهو “شاب يهودي مصري.. يدعى ران هيطنة….”، كعامل لاسلكي بالمحطة بعد تدريبه على أيدي بيت دين وعزرائيل ترابيتشي وتامار شوهم “التي كانت تدربه على استخدام المورس”.

سأترك المقارنة بين الحركات السرية، قبل انتهاء المساحة الخاصة بهذه الوقفة الأخيرة مع كتاب “صهيونية في ظل الأهرامات” الذي يصيب قارئه بالاختناق، والدهشة من غياب “الدولة”، واتساع ثقوب تسمح بأنشطة عدة منظمات صهيونية. سأكتفي بما ذكرته لأصل إلى قول بن جوريون إن “الشعب اليهودي” أربعة أنواع: صهاينة، متعاطفون مع الصهيونية، لا مبالون بالصهيونية، معارضون للصهيونية. وتقول المؤلفة إن تقارير مبعوثي الحركة الصهيونية تضمنت حقدهم واستعلاءهم على يهود مصر، نظرا لثرائهم، إذ كتب مبعوث الصندوق القومي الصهيوني “أدركت أن المجتمع المصري قد وضع بصماته على هؤلاء اليهود بشكل واضح، فمن هذا الجسد الذي يرتدي ملابس الجنتلمان الأوروبي تنبع روح مصرية”، مع وجود أقلية صهيونية فاعلة، ومتبرعون بالأموال للحركة الصهيونية.

وقد لجأ كثير من الأعمال الفنية إلى تسطيح ينظر إلى اليهود في مصر قبل عام 1948 ككتلة متجانسة، دون تفريق بين يهودي مصري من أبناء البلد وليس له وطن آخر، ويهودي من جالية دينها التجارة، وتدور أينما اتجهت أو انتعشت حركة رأس المال. وفي ظل التوجهات السياسية بعد الاستقلال وما ترتب عليها من تغيير في الهياكل الاقتصادية والتركيبة الاجتماعية، لم يكن مستبعدا هجرة تلك الجالية إلى مناطق أكثر تشجيعا على الاستثمار، كانوا سيرحلون حتى دون إقامة “إسرائيل”.

هذه التفرقة مهمة، تحول دون الوقوع في فخاخ الاستسهال وترديد الشعارات، ويبدو صناع المسلسل التلفزيوني المصري “حارة اليهود” لم يقرأوا ما كتبه كثيرون، (مثلا: أحمد نبيل الهلالي في كتابه “اليسار الشيوعي المفترى عليه ولعبة خلط الأوراق”)، فالحلقة الثانية من المسلسل (أذيعت 19 يونيو 2015) هي آخر تجليات تعميم يدّعي العلم، يتلخص في جملة طائشة، ردا على تساؤل أب يهودي مصري عما جرى لابنه الكاره للبلد، منحازا للصهيونية، فترد أخته التي تحب ضابطا مصريا يشارك في حرب 1948: “..ملموم على شوية شيوعيين جننوه يا بابا”.

هكذا جرى تلخيص قضية معقدة بمثل هذا التسطيح. رحم الله الهلالي وشحاتة هارون ويوسف درويش ورحمنا.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر