الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

اللغة المنتهكة

انتقلت اللغة من مجالها الدلالي ومن حقلها التداولي، إلى لغة تمارس سطوتها وفعلها بقوة المرجعية التي تحولت إلى مدلول لها، ودال عليها.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2015/06/23، العدد: 9957، ص(15)]

اللغة التي وجدت لتكون أداة تعبير ووسيلة تفاهم وحوار بين البشر، جرى انتهاكها وتوظيف دلالاتها ومعانيها للخداع والتضليل، من قبل الأنظمة الاستبدادية طوال مراحل التاريخ، عندما قامت تلك الأنظمة باستخدامها أداة لتزييف الواقع، وتقديمه على خلاف ما هو عليه بهدف إضفاء صفات عليه تبرر مشروعية سلطتها من جهة، وتمنحها الحق في قمع معارضيها بوصفهم أعداء لتلك الأهداف التي انتدبت نفسها من أجل تحقيقها.

مع هذه الأنظمة والممارسات فقدت اللغة قيمتها التداولية، ووظيفتها كأداة تعبير وتفاهم، ما جعلها تدخل في مرحلة اغترابها وانفصالها عن مدلولاتها وقيمتها التعبيرية.

استخدام اللغة في هذا الطور جعلها تفقد عذرية المعنى، عندما جرى إفراغها من مضمونها، واستخدامها وسيلة للتعمية والتضليل الواسع بغرض تحشيد الجماهير حولها، وتبرير ممارساتها القمعية، ما تطلب من تلك الأنظمة خلق فضاء ثقافي يعزز وظيفة تلك اللغة، ويضفي عليها طابعا قيميا وطنيا وسياسيا واجتماعيا، حتى أصبحت الثقافة هي المكلفة بملء هذه الهوة السحيقة بين اللغة ومدلولاتها، وخلق مجال دلالي معزز بسلطة تلك اللغة.

لا أحد يستطيع تجاهل هذا الانتهاك الواسع للمجال الدلالي لهذه اللغة، بدءا من مفهوم الحرية والشعب والثورة، ومرورا بمفهوم الوحدة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية، وبذلك لم تعد اللغة محايدة، وإنما ارتبطت بالوظيفة التي أنيطت بها، من قبل من السلطة التي امتلكتها، فكان أن تحولت وسيلة للسيطرة، ومن ثمّ مبررا لممارسة القمع.

هذا الواقع المرير حوّل تلك اللغة عند الجماهير إلى نوع من الكوميديا السوداء، ووسيلة للتندر والسخرية، وبذلك لم تعد هذه اللغة فاقدة لقيمتها الدلالية فحسب، بل هبطت إلى ما دون ذلك عندما أصبحت تحمل مدلولات تعكس صورة الواقع المفارق والمفرغ من أيّ قيمة أو معنى، والمفروض بسلطة مدلولات باتت الجماهير هي ضحيتها بعد أن كانت هدفا لها. هنا لم تعد اللغة تستمد سلطتها من قيمة مدلولاتها وقوتها، بل من السلطة التي باتت تمتلك حق استخدامها واحتكارها، بوصفها هي من أصبحت مرجعيتها، والجهة المخولة بمنحها حكم القيمة، بعد أن فرضت على الجماهير أن تقيم نوعا من التماهي بينها وبين هذه اللغة.

في ظل هذا الواقع انتقلت اللغة من مجالها الدلالي ومن حقلها التداولي، إلى لغة تمارس سطوتها وفعلها بقوة المرجعية التي تحولت إلى مدلول لها، ودال عليها.

وهكذا تغيّرت تسمية البرلمان فصار مجلس الشعب، وقصر الدكتاتور الذي كلف عشرة مليارات ليرة أصبح قصر الشعب، ومنظمات السلطة هي المنظمات الشعبية، والانقلابات العسكرية هي الثورة، وبات الكادحون هم الثلة التي استولت على السلطة، واحتكرتها باسمهم.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر