الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

المجتمعات المنشطرة.. في نقد شعوب الثورات العربية

اكتشف نظام الأسد فعالية الفرز والتقسيم، وأخذ يلح عليه منذ البداية، في الإصرار على ممارسات تقطع حبال الطوائف السورية فيما بينها.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/10/08، العدد: 9344، ص(9)]

كان سهلاً على الجموع الثائرة في تونس أن ترفع علم الدولة التونسية، ذي الهلال الأبيض والنجمة والفضاء الأحمر، لتكون للثورة رايتها، ويذهب المجتمع إلى تحقيق أغراضه، وكان للمصريين القدر ذاته مع نسرهم الذهبي، ثم اليمن مع أنها تجميع لمنقسمٍ سابقٍ يعاني الخلل والتصدّع، حتى جاء الدور على ليبيا التي قرّرت أن تنقض على إرثٍ لم يحقّق شيئاً، وشاء أحدهم أن يستعيد مجد السنوسية، برفع علم ليبيا المملكة، رغم أن العلم لم يفد في إعادة إنتاج وريث العرش السنوسي الذي بات صعباً على الليبيين تقبّله، بعد تحولات العالم، وكذا في ثورة السوريين التي أرادت رفع علم الاستقلال الذي كان معتمداً قبل الوحدة مع مصر في نهاية الخمسينيات.

ولكن هذا التعبير الرمزي الذي يفترض أن يتجسّد بمحض (قماشة) انتشرت وعمّت واعتمدت من قبل وسائل إعلام عربية وعالمية وحتى من قبل الدول التي دعمت الثورات، لم ينتبه إلى الانشطار الكبير الذي عنته تلك التمثيلات الرمزية، فكان انشطار مجتمعات دول الربيع العربي تالياً وعميقاً وحادّاً كمشرط طبيب في غرفة القيصرية، كان قد غار عميقاً في جسد مجتمعات تلك الدول، وأخذ الفرز بالتصاعد شيئاً فشيئاً، حتى صارت لكل دولة شعوب تعيش فيها تناقضاتها السياسية وتموّجات حركة التاريخ على أراضيها.

ولأن الديمقراطية خيار حرمت منه تلك الشعوب طويلا، فهي لم تتعاط مع مطلبه ومستحقاته تعاطيا مرنا، وفعلت ما فعلته الدكتاتوريات ولكن بأنماط ودرجات متفاوتة، وفي حين كان الديكتاتور يرسم الخط الفاصل بينه وبين شعبه بالمزيد من القمع والقتل والقصف والتدمير، كانت خطوط أخرى ترسم ولكن هذه المرة بيد الشعب ذاته، بين معارض مناصر للثورة ومؤيد مناصر للدكتاتور، وبعد قليل، صار في المجتمع الواحد مجتمعان، بقيم وأخلاقيات مختلفة تماما، (وطبعا بعلمين) ويقف خلف كل منهما داعمون محليون ودوليون، ولكل من المجتمعين يومياته الخاصة ونظام حياته المختلف، ثم انتقل المشرط الذهني آليا، لتقسيم كل واحد من المجتمعين إلى أجزاء عدة، فللثورة ممثلوها، ولكل ممثل وجهته وحزبه ونظريته، وحصلنا على مجتمعات خاصة بكل فصيل سياسي، مقابل المزيد من الانكماش والتصلب في مجتمع مؤيدي الديكتاتور، بسبب التورط بالمزيد من الجرائم والمجازر والمواقف المتطرفة.

وبدأ مزاج تقسيم المجتمع يتحوّل إلى ظاهرة في المشهد، وقد راق للدول التي تنظر وتراقب التحولات في المنطقة، أن تراقب معها تشظي المجتمعات بهذه الطريقة التي يسهل في مناخها التفاعل مع الأطراف المنقسمة كلا على حدة، وليس غريبا أن ترتفع رايات جديدة، كرايات القاعدة والكتائب المسلحة وعلم كوردستان إلى جانب علم الاستقلال السوري، ثم بعد مرحلة ينحى علم الثورة جانبا لتبقى رايات التشظي هي المرفوعة في المظاهرات وصفحات الفيسبوك والمواقع التي يسيطر عليها كل فريق.

ولكن ما الذي فعله هذا التقسيم في بعده المجتمعي في أفلاك الثورات العربية، وليكن الحديث عن المجتمعات المؤيدة للثورات، ففي حين انغمست أكثرية مؤيدي الثورات في حلة وجدانية من التفاعل والتلقي، نهضت فئة منهم لترد الكيد للدكتاتور بمحاربة من يحاول الابتعاد عنه، ومن كان من ضمن النسيج الذي أحاط به أو عمل معه في الدولة التي ابتلعها النظام، فلم يعد هناك فارق كبير ما بين رجال النظام ورجال الدولة، فأخذ الكثير من المؤيدين يمنعون اقتراب هؤلاء من جسد الثورات، ويرجمونهم بشتى أشكال التهم وبدأوا بتنفيذ انتقام ومحاكمة لكثيرين كانوا يودون لو عبروا النهر باتجاه الثورة، لولا أنه لم يكن هناك ما يستقطبهم وما يجعل من وجودهم داعما للثورات بدلا من تنفيرهم ونبذهم.

وفي مكان آخر كانت قد بدأت مفاهيم كبرى بالدرس، ولكن غير الواعي مع الأسف، كمفهوم الشعب بحد ذاته، فيصل الأمر بأحد الشعراء والمغنين إلى إنتاج أغنية لاقت رواجا كبيرا في مصر تقول كلماتها (إنتو شعب وإحنا شعب)، ولعل التناول الهادئ لظاهرة كهذه يكشف مدى خطورتها في فرز المجتمعات وتفكيكها إلى المزيد من الجماعات الضيقة، بدلا من احتضانها في مشاريع وطنية كبرى.

أما في أرض المعركة، التي شاءت لها بعض دكتاتوريات المنطقة أن تكون بديلا عن التحول الديمقراطي، فقد بدأت تنشب حروب حقيقية بين الفئات التي أنتجها الانشطار، يدعم كل فريق تقسيما من نوع سابق كان قد حصل في أقاليم العالم العربي، وتناحرات بين الدول التي نشأت عنه ذات يوم، واتخذ الدعم أشكالا مختلفة من العسكري إلى المالي إلى الفكري وهو الأخطر والذي يتوجب الالتفات إليه في مناخ الفوضى التي تضرب المنطقة، فالتقسيم السياسي ممكن التجاوز بالمفاوضات السياسية وعلى الطاولة، ولكن التقسيم القيمي والفكري الحاد يحتاج عشرات وربما مئات السنين لإعادة رأب صدوعه، وكان أولى التقسيمات الفكرية التي حصلت في دول الربيع هي تلك التي انطلقت لتقول إن هناك فئة في المجتمع مع الحريات وفئة أخرى ضدها حفاظا على مصالحها التي أتاحها الفساد، وهنا جرى الاقتراب من خط الأخلاق والشرف المواطني والعدالة.

ولكن صعود الإسلاميين كظهير للثورات، وحلولهم في مواضع القيادة حول الانقسام الآنف الذكر إلى انقسام حول مطيع لما قاله الله والرسول وعاص لهما، متدين وآخر علماني، مؤمن وآخر كافر، مما نقل الصراع إلى مستويات أخرى تتصل بالعقائد أكثر منها اتصالاً بالتعاملات (في الحالة التونسية والمصرية والليبية).

أما في سوريا فقد اكتشف نظام الأسد فعالية ذلك الفرز والتقسيم، وأخذ يلح عليه منذ البداية، في الإصرار على ممارسات تقطع حبال الطوائف السورية فيما بينها، ناقلا الاحتجاج من احتجاج على الاستبداد إلى الاحتجاج على انتهاك المحرّمات الدينية بهدم الجوامع والكنائس، ثم لبّس الصراع لباسا مختلفا حين انتشرت المواد الموثقة التي تثبت تورط عناصر جيشه وشبيحته في عمليات اغتصاب وسرقة أثاث بيوت المعتقلين ونهب المدن التي تجتاحها، ثم عزز التقسيم بإظهار البعد الطائفي أكثر فأكثر، لتصبح ردود الفعل عليه من جنسه ونوعه في مجتمع مستعد أصلا بسبب سنوات طويلة من الكبت والحرمان في حريات مختلفة كان منها بالتأكيد حرية العبادة وفق المذهب والدين، فنشأ الطرف المقابل الأكثر تطرفا والذي لم يعد يرى الحرب حرب تحرر بقدر ما هي (حرب دينية) تحدثت عنها الكتب التي تنبأت بآخر الزمان.

وقد وقعت بين يدي ورقة عمل، لعل استذكار ما جاء فيها يفيد في استشراف الآتي، وكانت مقدمة من مؤسسة هينرش بُل التي نظمت بالتعاون مع جامعة القديس يوسف والجمعية اللبنانية لعلم الاجتماع مؤتمرا في خريف عام 2010 في حرم الجامعة اليسوعية حول بناء الدولة في المجتمعات المنقسمة في مرحلة ما بعد الإمبراطورية العثمانية، وقد تركز النقاش حينها على نماذج درست أوضاع البوسنة والهرسك، والعراق ولبنان، ثلاثة بلدان اختبرت الحروب الأهلية وانهيار الدولة نتيجة لتسييس الهويات والطوائف وخضعت مؤخرا لعملية إعادة بناء الدولة بمساهمة كبيرة من المجتمع الدولي.

وكان منتهى ما توصل إليه الجدل هو الأزمة التي ستضرب المجتمعات التي ستصل إلى مرحلة بناء الدولة بعد أن تضع الحروب أوزارها في مفاصل حساسة، مثل استراتيجيات الحكم والاقتصاد،الحركات الاجتماعية والتعبئة المدنية، الدستور والمشاركة في السلطة، التدخل الدولي وتخيلات الوحدة الوطنية.

وسيكون على أهل الفكر والثقافة في مجتمعات الثورات، الالتفات الجاد والعاجل لمواكبة التشظي المستمر لتلك المجتمعات، ففي ظل غياب الديكتاتور- الأب- الأخ الأكبر، القائد الذي هيمن طويلاً على حياة الناس وشؤونهم في أنظمة شمولية لا تبقي ولا تذر للفرد من فرصة لمحاثة حياته بنفسه، سيكون من الصعب ترك تلك المجتمعات بلا مظلات فكرية تقيها مطرا حامضا سيكون بلا رحمة.

كاتب سوري

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر