الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

مجزرة سوسة.. استكمال لفاجعة باردو

الحرب على الإٍرهاب لا تبدأ من تصويب البندقية في وجه العدوّ، بل هي تنتهي إلى هذا المآل بعد أن بنت 'اقتصاد حرب' و'ثقافة مواجهة'.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2015/06/29، العدد: 9963، ص(8)]

حالة من المكاسرة تعيشها الدولة التونسية مع التنظيمات التكفيرية الساعية إلى سحب نموذج “الدولة الفاشلة” على تونس، وتعميم الوضع الليبي على كامل أقطار المغرب العربي وشمال أفريقيا.

تحمل العملية الإرهابية في سوسة -التي أفضت إلى مقتل 39 سائحا من جنسيات متنوعة- العديد من المعاني والدلالات، إذ أنها تمثل الحلقة الثالثة من الحلقات الأربع المكونة للإستراتيجية الإرهابية المتجسدة في: أولا ضرب المؤسسة الأمنية والعسكرية وإرباكها لإدخال البلاد في دوامة من الفوضى والاضطراب، ثانيا استهداف الشخصيات الاعتبارية والرمزية ذات الوزن السياسي والفكري قصد خلق جوّ من الفتنة بين الأطراف السياسية، ثالثا ضرب مواطن الثروة في البلاد واللبنات الأساسيّة للاقتصاد الوطني، رابعا الزج بالبلاد في دوامة من الدم عبر التفجيرات الانتحارية والعبوات الناسفة، وهي مرحلة السقوط بعد الاستنزاف.

اليوم، تعيش تونس المرحلة الثالثة بدمارها ودمائها، من خلال استهداف “السياحة” التي تمثل الخزان الإستراتيجي للاقتصاد الوطني والخيار الأساسي لتأصيل التنمية عبـر إصرار التنظيمات التكفيرية على اغتيال السياح الأجانب بما يتضمنه هذا الإجرام من مغزيين حساسين، المغزى الأوّل هو القضاء التام على حالة الثقة الدولية والإقليمية التي انبثقت عن حادثة باردو في 18 مارس الماضي نتيجة لتضامن عالمي مع دولة الربيع العربي، أما المغزى الثاني فهو تصوير البلاد على أنها دولة فاشلة عاجزة عن تأمين الحدّ الأدنى من الحماية الأمنية لقطاع حيوي وإستراتيجي يقتات منه أكثر من 400 ألف تونسي، وبالتالي فإنّ عملية “سوسة” الإرهابية هي في المحصلة استكمال لمجزرة باردو من حيث الأهداف والمقاصد.

والحقيقة في هذا المفصل أنّ تونس التي خسرت في 2015 أكثر من 21 بالمئة من نسبة السياح الذين تقاطروا على البلاد في ذات الفترة مـن السنة الماضية، وتونس التي فقدت أكثر من خمسين بالمائة من السوق السياحيّة الأوروبية تقف اليوم عند عتبة “كارثة” سياحيّة ذات تداعيات مؤلمة على مؤسسات الدولة ككلّ انطلاقا من شبكة النقل الجوي والبحري وليس انتهاء بقطاع الصناعات التقليديّة، الأمر الذي يلزم كافة الفاعلين الرسميين وغير الرسميين في البلاد لبلورة مروحة من البدائل الاقتصاديّة في سياق إقليمي حسّاس وفضاء محلي أكثر حساسيّة.

المفارقة في هذا المفصل التفسيري أنّ التنظيمات التكفيرية تمتلك إستراتيجيات للهدم والتقويض في عالمنا العربي، وتتوفر على وصفة للدمار في كلّ قطر بما يتماشى مع طبيعته الفكرية والسياسية وبما يستجيب لـ“تناقضاته” الإثنية والسوسيولوجية، في حـين أنّ الـدول المكتوية بنار الإرهاب لم تؤصل بعد إستراتيجية شاملة لمكافحة التطرف والإرهاب تبدأ من الفكر والوجدان ولا تنتهي عند الميدان، وهو ما عبّر عنه للأسف الرئيس التونسي الباجي القايد السبسي بقوله إن “مكافحة الإرهاب تقتضي بناء إستراتيجية شاملة”، ما يعني أن البلاد عاشت ردحا من محاربة التنظيمات التكفيرية في إطار من الارتجالية والتخبط.

وهي مقدمة قد تفسّر للتونسيين حالة “التطبيع” الشعبي والإعلامي مع الدم التي بدأت في نخر الرأي العام التونسي بعد فترة قصيرة من الاستغراب والتنديد والشجب.

وهي مقدمة قد تحلل أيضا تكرار مشهدية “الغياب والعتاب” التي باتت تطبع الواقع التونسي بعد كل عملية إرهابية، حيث تركز القنوات الفضائية بثّها وبرمجتها على مناقشة “العمليّة” الإرهابية المستجدة، وتحليل سياقاتها وتداعياتها، ثم تطوى القضية دون إنجاز أي فعل ملموس يحوّل الفعل التونسي إلى فعل استباقي قادر على الضرب في العمق واستشراف الأوضاع قبل حصولها، وليس منكبا على الانفعالية الجوفاء والضعيفة كما هو حاصل حاليا.

لا يمكن للحرب على الإرهاب أن تنجح في ظلّ حالة من الاسترخاء القانوني والأمني والاستخباراتي وفي مناخ من الإضرابات والاعتصامات العشوائية. ذلك أن الحرب على الإٍرهاب لا تبدأ من تصويب البندقية في وجه العدوّ، بل هي تنتهي إلى هذا المآل بعد أن بنت “اقتصاد حرب” و“ثقافة مواجهة”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر