الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

30 يونيو 2015.. كل أسباب الثورة

استعادة 11 فبراير 2011 تعني تأسيس دولة عمادها دستور يليق بالثورة والمستقبل، فما كانت التضحيات من أجل دستور طائفي يسوغ القتل على المذهب.

العرب سعد القرش [نُشر في 2015/06/30، العدد: 9964، ص(8)]

ربما يكون الوقت مبكرا لكي يعكف باحث دؤوب على رصد تحولات شعار ثورة 25 يناير 2011. أجدني غريبا أمام إلحاح البرامج التلفزيونية وغزارة المرددين لشعار “عيش. حرية. عدالة اجتماعية”، وأحيانا يضيفون إليه الضلع الرابع “كرامة إنسانية”. وقد أصررت في كتابي “الثورة الآن” على كتابة الشعار “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية”، كما سمعته ورددته. وكتبت في يوميات الأحد 30 يناير تحت عنوان “مبارك يعلن الحرب على الشعب” أن الشعارات في الميدان، بعد الاجماع على ضرورة إسقاط النظام، تصوغ مبادئ الثورة “حرية. تغيير. عدالة اجتماعية”، وأحيانا تكون “كرامة. حرية. عدالة اجتماعية”.

طمأنني عثوري على الفيلم القصير “نافذة عَ التحرير”، للمخرج المصري عمرو بيومي. ثماني دقائق أعادت الثقة إلى ذاكرتي والمخرج يوثق من شرفة تطل على الميدان، الشعار الصاعد يوم الثلاثاء 25 يناير “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية”، وزيادة منه في الدقة ترجم الشعار إلى الإنكليزية “Change.. Freedom.. Social Justice”.

كان الميدان خاليا، وهم فرادى، نواة بشرية تنفجر ثقة وحناجر وصياحا، غير مبالين بدوائر من الشرطة، ثم زاد العدد فأضحوا عشرات من الحالمين تحيط بهم المئات من قوات الأمن المسلحين بأدوات القتل. أولئك هم المؤمنون حقا بأن الشعب قادر على صنع المستحيل، وأنه لا نهاية للتاريخ.

إضافة الكلمة الأولى “عيش” شوهت الشعار، أو على الأقل أسهمت في تزويره، وأفقدته براءته وجلاله. دلالة الشعار الأول في سمو الثورة على أن تكون مجرد إصلاح بعض التفاصيل، تحسين سبل العيش مثلا في مقايضة ساذجة على الحرية. الثورة قطيعة مع ما قبلها، “تغيير” أجمع عليه الملايين من المؤمنين بالتغيير، ليست ثورة جياع يرضيهم فتات يلقى إليهم، من باب الصدقات كما توهّم تنظيم الإخوان، أو من أجل شراء الصمت بتوفير الخبز كما يجري الآن. هذا ما لم تفهمه الحكومات المتعاقبة منذ خلع مبارك إلى اليوم.

كان الظن أن 30 يونيو 2013 رجوع وإنابة إلى 11 فبراير 2011، إلى ليلة خلع مبارك، تصحيح لمسار ثوري “تاه” طوال 30 شهرا بحسن نية أو بسوء.. فالذين أحسنوا الحسنى رأوه مسارا “تاه”، واستعادته واجبة. ومن أساء النية “تاه” استعلاء بالإيمان وصرامة التنظيم وأوهام القوة. استعادة 11 فبراير 2011 تعني دخول مرحلة انتقالية، وتأسيس “دولة” عمادها دستور يليق بالثورة والمستقبل، فما كانت التضحيات من أجل دستور طائفي يسوّغ القتل على المذهب. وحقق دستور 2014 بعض الطموح، وسط مواءمات صعبة، ولم يكن أكثر المتشائمين يظن أن تسرق منه الروح ويموت قبل أن تدب فيه الحياة.

فعلى سبيل المثال يقول نص المادة التاسعة “تلتزم الدولة بتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز”، وتبدأ المادة الحادية عشرة بالإقرار بأن الدولة تكفل “تحقيق المساواة بين المرأة والرجل في جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، أما المادة الرابعة عشرة فتقول إن “الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة ودون محاباة أو وساطة”. فإذا انتقلنا من هذا “النص” إلى ظلاله على الأرض، رأينا قضاة كهنة منوطا بهم تنفيذه أكثر شرا من فقهاء أفتوا بإلحاد متصوفة، وزندقة مفكرين، ولم يتورعوا عن مراقبة مشاهد قتل الأبرياء والتمثيل بهم، كانوا يوظفون مهاراتهم الفقهية في خدمة “الخلفاء”.

أذكر مثليْن يكفي أي منهما خيانة للدستور وانتهاكه، وإهانة الشعب الذي وافق عليه.

أولهما: استبعاد 138 معاون نيابة، بعد صدور قرار تعيينهم، لعدم حصول آبائهم على مؤهل عال. وثانيهما: رفض مجلس الدولة قبول أوراق 25 فتاة من الأوائل لشغل “مندوب مساعد” وهي أولى درجات السلم القضائي بالمجلس، وإخبارهن أن ذلك يقتصر على الذكور.

تمييز طبقي وجنسي فادح وفاضح، يجعل من القضاة سلطة فوق الدولة، ويؤكد أن القضاء ينتظر تطهيرا يليق بالثورة وبالدستور العهد الأعظم، وأن “الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه”، كما قال عباس العقاد عن الملك فؤاد. وفي مايو 2015 خسر “المستشار” محفوظ صابر وزير العدل المصري منصبه ثمنا لصراحته في التعبير عن “حقيقة” تمييز طبقي يمارسه القضاة، وفي اللقاء التلفزيوني نفسه كانت لهجة الرجل ومخارج الحروف تشبه لهجة آبائنا الفلاحين ومخارج حروفهم. أكاد أجزم أن أباه أميّ، وربما نال حظا متواضعا من التعليم، دون الجامعي بالطبع، وهذا لا يعيبه، أما الذي يعيبه فهو الاستهانة بالدستور، فما كان منهم إلا التضحية به، “استقالوه” (نحت يجمع الإقالة والاستقالة على وزن “انتحروه” في وصف عبدالحكيم عامر بعد إعلان موته عقب هزيمة 1967 فلا يتأكد للشعب نحره أو انتحاره). ولا يختلف “المستشار” أحمد الزند وزير العدل الحالي عن سلفه في نظرة طبقية منزوع منها تواضع محفوظ صابر الذي لم يجرؤ على أن يقول مثل الزند «نحن هنا على أرض هذا الوطن أسياد، وغيرنا هم العبيد».

بعد عام من حكم الإخوان انسد الأفق، وبعد عام من حكم السيسي يتسع فراغ ينتظر القادم والمتقدم على أن يصدقه الناس، وقود الثورة منذ لينين في كتابه “مرض اليسارية الطفولي في الشيوعية” إلى حملة “تمرد” لسحب الثقة من مرسي، وقد لعبت على أوتار الاقتصاد والأمن، وتأخر العدالة والقصاص للشهداء. كلها أسباب قائمة، مع متغير واحد يقصر “الشهداء” – وقد حظوا بجنازات مهيبة، وتكريم رسمي بإطلاق أسمائهم على المدارس – على ضباط الشرطة ضحايا الإرهاب، فمن يذكر شهداء 25 يناير لولا الأغنية الساذجة “شهداء 25 يناير ماتوا في أحداث يناير… راحوا وفارقوا الحياة”؟ هل نعتذر عن السخرية من ثلاثية (الشهادة والموت ومفارقة الحياة)؟ ونتذكر أن من رفعوا شعار “تغيير. حرية. عدالة اجتماعية” لم يموتوا في حادث قطار، وإنما بأيدي الشرطة التي عادت سيرتها الأولى، أداة للقتل وفشلا في تحقيق الأمن؟

ربما يريد البعض تصحيح ما يظنه خطأ لغويا في عنوان المقال ليكون “…أسباب الثورة كلها”، ولكني أخشى أن يلتبس الأمر فيظن البعض “الهاء” عائدة على “الثورة”، وهي حزمة لا تقبل القسمة، والله أعلم.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر