الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الخميس 14 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10842

الفلوجة بين التدعيش والتمليش

تم 'تدعيش' الفلوجة بإرادة سياسية إقليمية تمثلت في المشروع الفارسي بتوفير المبررات وتجهيزها لتكون هناك جبهتان من الكراهية العقائدية المتبادلة المغلقة على نفسها.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2015/06/30، العدد: 9964، ص(9)]

لا يمكن المجاملة أبدا، في ما يخص لحظة الفراق لمدينة ذاقت ويلات متتالية وتصدرت الأخبار وجرى اسمها على ألسنة العالم المتعددة، وكانت مانشيتا عريضا لكبريات الصحف والمجلات، وتناولتها التقارير والدراسات واستثمرها إنسانيا فنانو الرسم والسينما والمسرح، ولا أتفاجأ اليوم عندما يذكرها كتاب السيناريو في أشهر الأفلام كمثال للتدخل أو ويلات التدخل الأميركي.

الفلوجة، ومنها الفالوجة وما على اسمها في بلاد العرب، من أقدم مدنهم بعد الإسلام ولها تاريخ طويل يشقى بذكره عشاق الزهد والتواضع والعلم أيضاً.

لن ينساها الإنكليز وقد مرغوا قائدهم “لجمان” بدمه بعد محاولة إهانته شيخ زوبع ضاري المحمود، فأردوه قتيلاً، وهزت الحادثة مدينة لندن مركز الامبراطورية التي لم تكن تغيب الشمس عن مستعمراتها، وتغنى العراقيون يومها وهزجوا تنكيلاً بدموع “أبو ناجي” المستعمر البريطاني.

قصة الفلوجة مع المحتل، قصة الدرس الاستعماري للإنكليز الذي لم يستوعبه الأميركان، أو إنهم لم يذاكروا معهم أو يتبادلوا النصح في كيفية إدارة العراق وتفصيلاً خصوصيات شعبه وطبيعة تقاليد المدن، ومنها الورطة الأميركية في الفلوجة، ربما لأن أميركا تصورت بناء على معطيات إمعاتها من ساسة العراق ومجلس حكمه، أن مدينة مثل الفلوجة لا تزرع الورد لذلك لم ترم به دعاة السلام القادمين من خلف الأطلسي، ثم تفاجأوا بعد أيام إلى من ينبههم لتصرفاتهم الساذجة السياحية الحمقاء، تلتها مسيرة، تصاعد فيها الغضب وبدأ الطلاق من الأيام الأولى عندما فتحت القوات الأميركية النار على المتظاهرين وقتلت منهم بلا رحمة خيرة شبابهم.

وبعدها عندما تناول 4 من المقاولين الأميركان المتعاقدين مع شركة بلاك ووتر الأمنية السيئة الصيت، طعامهم في مطعم “زرزور” وهو مطعم لو تبناه قادة الفكر الاقتصادي الأميركي لاجتاحوا به العالم بدلاً من “ماكدونالد” لما يقدمه من كباب شهي، وبعد أن استقلوا سيارتهم، تابعهم عدد من الشباب وقطعوا عليهم الطريق وأقدموا على تقطيع أوصالهم في واقعة صدمت الإدارة الأميركية وشعبها والعالم أجمع، وتم تعليق بقاياهم على أحد الجسور فوق نهر الفرات.

لم تنتظر أميركا لترد على كرامتها المسفوحة إلا بتدمير المدينة واستخدام مختلف الأسلحة، حتى المحرمة دوليا.

في الأحياء الخلفية لمدينة لندن، وفي “سوهو” تحديدا، قدمت فرقة من الشباب مسرحية بعنوان “الفلوجة” لخصت كل مشاعر العالم ومبدعيه من ورطة إنسانية اسمها الفلوجة، وكان التعبير على الانتقام وما جرى مثيرا للاشمئزاز، إذ تطلبت المشاهد أن يتجشأ الممثلون على خشبة المسرح يوميا ليواصلوا قرفهم مما أصاب هذه المدينة الوادعة مثل كل المدن المرمية في الزمن من شرقنا الساكن في مورثات ثقافته وأسوار تكوينه الموغل في القدم.

من مستجدات الفكر السياسي لعملاء المحتل شرعنة احتلاله ومحاربة المقاومين وتكوين حالة من الانفلات في الإجراءات حَرَمَت الشعب العراقي من إقامة مؤسسات أو منتديات أو منظمات تقارع المحتل بأساليب أخرى غير السلاح، لكنهم كانوا أزلاماً أو أدوات تنفيذ لمجموعة قرارات أثبتت الوقائع في ما بعد أنها كانت برغبة ومطالب ساسة عراقيين متذللين للحاكم بريمر.

متوالية الفلوجة وصلت إلى نقطة الفراغ أو الفراق وهي الأخطر، تم دفع العربة إلى حافة الجبل كما كان مخططا لها، وتم “تدعيش” المدينة بإرادة سياسية إقليمية تمثلت في المشروع الفارسي بتوفير المبررات وتجهيزها لتكون هناك جبهتان من الكراهية العقائدية المتبادلة، وضحاياها الناس الأبرياء من أطفال ونساء وعوائل فقيرة مغلوبة على أمرها بالبقاء تحت سقف بيتها المهدد بالطائرات وكتائب المدفعية، وجحافل من ورائها تقف منابر تدعو للإبادة والقضاء على الفلوجة وكل من فيها.

من شاهد النازحين من على جسر “بزيبز” من أهل الفلوجة هل سيغامر بالخروج من بيته؟ من تابع نوابه في البرلمان وتذللهم لاستحصال حقوق ناخبيهم هل يغادر الفلوجة؟ من تحاصره قوات حكومته وتطلق عليه النار وتعامله وكأنه في جبهات مواجهة، هل يثق بها؟ الخروقات الكبيرة والمآسي الإنسانية من أطراف النزاعات والمآرب في المنطقة هل تسمح بمد جسور الثقة مع أحد؟

الخوف الآن سيد الموقف، والنجاة بالناس هو الهدف بعد أن صاروا لقمة سهلة للرعب والموت في لعبة الصراع الديني المذهبي الطائفي في المنطقة.

جيش في مدينة لماذا ينسحب منها؟ ثم لماذا يحاصرها دون الدخول إليها؟ المعروف أن الهجوم واحتلال مواقع العدو فيها تكون خسائره أقل من الاستنزاف والهجمات المتكررة، أم أن الأمر وراءه خبث المخططات في تدمير المدن المختلفة مع مركز القرار لأسباب لم تعد خافية تصب في النهج والتأسيس الطائفي للدولة العراقية الحاكمة بعد الاحتلال. تم وضع الفلوجة بين فكي التمساح الشرس مع مدن أخرى، لقمة سهلة يهتف لمذاقها أرباب المشاريع ومخططات الانتقام المروع الحاصل والقادم في الفلوجة مثالاً، ودون خجل.

كل الانسحابات من المدن المنكوبة ليست عملاً عسكرياً بحتاً، ولا علاقة لها بسياقات المعارك من زخم الهجوم أو وسائل الدفاع، لكنها إرادات سياسية تعمل في الخفاء في نقطة الفراق أو الوداع بين أبناء الشعب الواحد، لتتمايز الجبهات والخنادق ونقاط القوة والضعف. الغريب، غياب العصى الأميركية في لعبة التوت والنبوت تاركة الساحة للتدعيش والتمليش وما بينهما الآن الفلوجة.. ليس غريبا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر