الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

مجرد سؤال

أسئلة تشغل بال من على شاكلتي ممن يحاولون أن يعرفوا كيف تصنع الشوكولاتة البيضاء، يعني أين يروح لون الكاكاو؟

العرب حسين صالح [نُشر في 2015/06/30، العدد: 9964، ص(24)]

لو أن أحدا طرق باب بيتك، بغض النظر عن الوقت صبحا أو مساء، وسألك سؤالا بسيطا لا تزيد إجابته عن نعم أو لا، هل ستجيبه مهما كانت غرابة السؤال؟ لو أن الطارق الذي انتزعك من مشاهدة التلفزيون قال ببساطة: آسف جدا للازعاج، أريد أن أعرف هل الشيطان موجود عندكم في البيت؟ مثلا.

أنا شخصيا سأجيب بـ”لا” وأودع السائل متمنيا له ليلة سعيدة وأغلق الباب. وهو أيضا سيشكرني ويمضي. لكن معظم الناس سيجيبونه بجملة أسئلة من قبيل: ماذا تعني؟ وكيف ظننت أن الشيطان عندنا وربما شتموه أيضا في حين كل ما هو مطلوب هو الإجابة بـ”لا” وينتهي الموضوع.

التعامل مع السؤال بشكل مجرد ضرب من الرفاهية الفكرية وأنا أتمتع بها. قبول التجريد رفاهية وقبول السؤال المجرد يعني أيضا إثارة أسئلة مجردة لا تفضي إلى شيء عملي. أسئلة تشغل بال من على شاكلتي ممن يحاولون أن يعرفوا كيف تصنع الشوكولاتة البيضاء، يعني أين يروح لون الكاكاو؟

أفكر في هذا، وأفكر أيضا في سؤال بسيط مجرد آخر وهو “عندما ينفذون الإعدام بحقنة السيانيد، لماذا يستخدمون إبرة معقمة”؟ أعني لا بد أن يكون هناك سبب لتعقيم الإبرة، ما هو؟

معظم الناس يرون في هذه التساؤلات بطرا، لكن البطر هو بالضبط الرفاهية والترف المطلوبان لتناول المعرفة. والناس في العالم الثالث خصوصا يريدون لأي معرفة أن تكون وظيفية وتطبيقية وليست مجردة.

في لندن ذات عصر أحد كنت أمشي بسرعة ولهاث لأركب أوتوبيسا موعده في المحطة التي أقصدها الرابعة وأربعين دقيقة. وصلت بعد دقيقة من الموعد ورأيت أوتوبيسا يغادر المحطة. سألت رجلا واقفا في المحطة “ما كان رقم الأوتوبيس الذي غادر للتو”؟ لكن الرجل كان مهاجرا هنديا ممن يملأون شوارع لندن. لم يجب على سؤالي البسيط بأن يقول كان رقمه 88 مثلا. السؤال كان عن رقم الأوتوبيس وجوابه كان “أين تريد أن تذهب”؟

تفكيره عملي ووظيفي لكنه لا يجيب على السؤال. حياة ذلك الرجل في بلده وفي المهجر كلها شقاء بل وقهر لذلك لا يستوعب السؤال عن أوتوبيس غادر ومضى. سؤالي لم يكن عابثا. فرق الدقيقة الواحدة يعني احتمال أن يكون الـ88 لم يأت بعد. وإذا كان قد غادر فسأبحث عن وسيلة أخرى. ما كنت أتوقع الرجل الهندي أن يعرف هذا لكني أتوقع أن يجيب الإنسان على سؤال مجرد ومباشر بشكل مباشر. لو كان إنكليزيا لقال رقم 88 أو 76 وينتهي الأمر.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

:: اختيارات المحرر